أمشاق ومداد ..
لا يختلف اثنان على ان للخطوط العربية باختلاف انواعها دور كبير في تطوير الفنون الزخرفية الاسلامية ، فقد مدها الاسلام هيبة وجلالاً وقدسية ، بحيث اصبح التمكن منها و الاجادة في تنفيذها وزخرفتها بما يزيد من قدرتها التعبيرية ، وقد كان الخطاط العربي بارعا في تكوين الحروف ورصفها وتزيينها بدقة ودراية عالية ، حيث اتخذ من الدائرة الوحدة الاساس في رسم الخط العربي ، ومن المربع وحدة للخط الهندسي ، وحقق منهما القيمة الجمالية الحاصلة من التضاد بين الخط المائل والخطوط الافقية ، وقد كان للخط الكوفي الحظ الاوفر في مجال التكوينات الزخرفية وفي البدايات الاولى لكتابة المصاحف في القرون الاولى للهجرة ، فهو نتاج نظام هندسي وزخرفي متجانس ، وفي هذا ادراك لمعنى الفضاء وهندسة المكان او الحيز الذي يشغله .
نال الخط الكوفي القسم الاكبر من اهتمام الكتاب والخطاطين الاوائل لما يتمتع به من قابلية وخصائص فريدة عن باقي انواع الخطوط الاخرى ، مما ادى الى ظهور انواع متعددة منه ذي تكوينات زخرفية والتي كانت متتابعة في التوزيع الخطي ، الا ان التحسين المستمر على الخط الكوفي المزوق والعناية بأوضاعه المكانية والاتجاهية للكلمات وتنوع توزيعها ، ادى الى الخروج بإبداعات وتكوينات زخرفية متوازنة ومنسجمة ، حيث تعد هذه التكوينات مرحلة متقدمة ، كونها تتطلب مهارات انشائية وابداعية مبنية على ضبط اصول قواعد الخط كشرط اساسي ، ومنها صور الخط الكوفي .
كتبت المصاحف المبكرة على الرق بالخط المكي والخط المدني المائل الذي اصطلح على تسميته فيما بعد بالخط الحجازي ، ثم بدأ الخط الكوفي بالظهور شيئا فشيئا ،حتى عرف له سلالتان ، إحداهما ذات مسحة من التربيع والزوايا وقد استخدمت في كتابة المصاحف الكبرى طوال القرون الثلاثة الأولى للهجرة حتى حل محلها خط النسخ الذي ابتدعه ابن البواب ، اما السلالة الأخرى فهي أخف وأكثر تدويراً وقد استخدمت في الأغراض الكتابية العامة دون القرآن وهو ما عرف عند المؤرحين بخط التحرير او المحقق الوراقي أو الخط المستخدم في نسخ العلوم المختلفة .
يعد الخط الكوفي احد انواع الخطوط العربية القديمة ، وقد كانت بداياته الأولى مع ظهور الإسلام، وكان ذلك في مدينة الكوفة وسط العراق، ويذهب بعض الباحثين الى أنه تم العمل به قبل إنشاء مدينة الكوفة بمدة قد تتعدى المئة عام ، فقد كانت بدايته ونشأته في منطقة قريبة من الكوفة يطلق عليها الحيرة ،وتم استعماله في مجال الكتابة بشكل عام وفي كتابة القرآن الكريم بشكل خاص فضلا عن ، استعماله في كتابة جميع المصاحف التي تم نسخها ، وكان ذلك قبل القرن الرابع الهجري على يد مجموعة من الأشخاص المتخصصين بذلك.
ظهر الخط الكوفي في العام 1799م، وبالتحديد في أوائل القرن الأول الهجري ، وانتشر في جميع مناطق العراق واستعمل فيما بعد عملية النقش على جدران الجوامع والاضرحة المقدسة والقصور وغيرها من الأماكن المميزة كعمارة الإسلامية ، ويتميز هذا النوع من الخط العربي بأنه من الخطوط غير المنقوطة ، بالإضافة إلى وجود الإمالة باتجاه اليمين ،
وبرز منه نوع يدعى بالمشق ويكون فيه امتداد لبعض الحروف كالدال والصاد والطاء والكاف والياء الراجعة ، ويتميز هذا الخط بالإبداع والتجويد في صناعته ، وبقي ممتدا لغاية القرن الثاني الهجري ، وقام مبدعيه بعملية نسخ لأكبر المصاحف التي تواجدت في ذلك الوقت. وجاء بعد المشق الخط المحقق وهو نوع من أنواع الخط الكوفي ايضا ، ويتميز بأنه من الخطوط المصحفية المتكاملة في التجويد والتنسيق، إضافة إلى أنه يتميز بجمال تنقيطه وتشكيله وتساوي المسافات ما بين سطوره ، فضلا عن استقلال كل سطر عن غيره في الحروف.
ان كتابة الخط الكوفي بواسطة قصبة تتميز بقطعة موحدة ، ويوجد له العديد من الأنواع - المائل، والمزهر، والمعقد، والمورق، والمنحصر، والمعشق، والمظفر والموشح - ، وقد بدأ العمل به بطريقة عفوية حتى تطور وأصبح ذا تنميق وصنعة مميزتين ، ثمّ انتقل إلى مرحلة اللين المقور أو اليابس المبسوط أو وسطاً بينهما كما هو في المصاحف ، وتعد هذه الأنواع من الخطوط حديثة ولا يوجد لها قاعدة محددة وثابتة - بحسب ابداع الخطاط - ، ويهتم الشخص الذي يكتب بهذا الخط بأن يقوم بتحقيق التناسق والتماثل عند الكتابة إضافة لتعبئة الفراغات بين وداخل الكلمات والاحرف المكتوبة بالمداد اوبأدخال زخارف هندسية ونباتية متنوعة ، ويكون هناك اختلاط في الرقش الذي يحتويه الخط .
ومما تجدر الاشارة اليه ، ان أكثر شخص اتقن الخط الكوفي هو امير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، حيث اكد الكثير من الباحثين والمؤرخين في مجال الخط العربي ، أنه قد أبدع في الخط الكوفي وأجاده ، بالإضافة إلى فضله في القيام بعملية الترتيب والتركيب الخاصة بالأحرف ، وايضاً الوصل والفصل ما بينها ، فهو أضاف على الخط الكوفي أسلوب اللطافة والمتانة .
سامر قحطان القيسي
الموقع الرسمي للعتبة الحسينية المقدسة
مقالات ذات صلة

وتعز من تشاء..
لا اختلاف على ان خط الثلث بصورته النموذجية التي نراها الآن هي ناتجة من إبداعات وتنافس الخطاطين عبر حقب زمنية مختلفة مما جعلهم يجتهدون ويثابرون لكي يرتقوا بهذا الفن الأصيل إلى أتم وأكمل صورة كما هي عليه الآن .

لغة الارواح..
تكشف اللغة البصرية في الفن الاسلامي ومن خلال لغة التجريد عن قدرة لامتناهية من الانفتاح نحو المطلق فالتجريد في الفن الاسلامي يشكل افناء لصفات الاشياء وخصائصها الحسية. لان القرب من الحق لا يكون معه وجود للشيء لان وجود الشيء لا يمكن ان يكون قائماً بذاته بل بالقدرة الالهية، فتغييب وجود الشيء ونفيه لذاته من تعلقاتها المادية ما هو الا تسليم وخضوع مطلق لله، هذا يعني من زاوية اخرى، ان الفن الاسلامي وجد في نظرته للنسبي والمطلق، طريقه للتسامي لإعلاء قيم السماء، ان السعي الى مالا تدركه الابصار يلغي المسافات والابعاد ويخرج من عالم الطبيعة متوجهاً الى عالم كلي.

جمال الخطوط وقدسية المضامين..
ان الوجود بأسره يتسم بمظاهر الجمال بدأً بما تقع حواسنا عليه من عناصر طبيعية , والتي أصبحت مرجعيات جمالية , وصولا إلى الجمال الذي هو خاصية يمنحها الإنسان للأشياء التي يقوم بابتكارها أو تصميمها من خلال التناسق الذي يخلقه عن طريق أجزاءها , فالجمال هو وحدة خاصة بالعلاقات الشكلية نتلقاها من خلال ادراكاتنا الحسية في ابتكار أشكال وتكوينات جديدة وهذه الأشكال تقوم بإشباع إحساسنا الجما ل



بعض من روحية الحرف العربي..
تستمد الحروف العربية زخرفتها من تناسق الحروف، وقد اتخذ الخطاطون العرب في القرون الوسطى الحروف العربية ما يصلح لان يكون اساساً لزخرفتهم فوظفوا عناصر زخرفية جميلة من رؤوس الحروف وسيقانها ،