العتبة الحسينية المقدسة
الخط والزخرفة

جذور من عمق ذاكرة الخط

7,791 مشاهدة4 دقيقة قراءة

رغم تنوع الثقافات الدخيلة وقساوتها على العرب والضغوط المطبقة على لغة الضاد وحروفها التي تضج بها لغتنا العربية ، الا انها ما لبثت مزدهرة لتثبت للعالم أن حرفنا العربي سيبقى متجذراً في عمق ذاكرة التاريخ مهما اشتدت عليه ضغوط الثقافات الاجنبية ، لتمضي لغتنا قدماً إلى الأمام محتفظة ببصمتها العظيمة كلغة مقدسة خصها الله بأن جعلها لغة القران الكريم ، ليقول جل وعلا في محكم كتابه العزيز .. بسم الله الرحمن الرحيم " إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ " .   

شرف الله العرب بنزول القرآن الكريم بلغتهم ، مما جعل الحرف العربي يرتقي منزلة قدسية كبرى ، الا وهي تدوينه لكلام الله سبحانه ، وقد اهتم العرب المسلمون اهتماماً كبيراً بلغتهم وحروفها ليسعى النحاة واللغويون الى ضبط القواعد المتحكمة بتلك الحروف وتركيبها من جهة ، واجتهد اخرون بتدوينها " الحروف " وتجويدها بتشكيلات مميزة تكسبها حق البقاء ، لتتوارثها الاجيال من بعدهم وتكون خطا للشروع بإبداعاتهم وتطوير ملكاتهم الفنية واللغوية على حد سواء .

حيث تجلت فضيلة الكتابة والحروف ان جعلها الله تعالى أول آية افتتح بها الوحي  بقوله تعالى .. بسم الله الرحمن الرحيم " اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ " ، فنزول القرآن كان ايذانا لنهاية البداوة والقبلية عند العرب لتحل محلها المدنية ،  فالقرآن فتح ابواب الابداع على مصراعيها ليشكل تصورا جديدا للعالم قائم على التأمل في ابداع الخالق فيما خلق ، والخط احد تلك الابداعات التي استقت مشاربها من نبع الحروف العربية التي خصنا الله بها عن باقي الامم الاخرى لتكون رسولا أمينا يحاكي الانفس ، ليترك فيها اثرا مميزا هو مدعاة للتأمل والذهول .

وها نحن الان نتأمل اثرا مميزا لا يسع المتأمل فيه ، إلا ان يغور متنقلا بين حنيات احرفه الجميلة مستشعرا عبق الاصالة العربية وروحية حروفها المطواع ، لتقودنا لأنامل حملت هموم الخط العربي ونمت مع اغصان زيتونة عربية في مدينة من  قلب فلسطين المحتلة ، انه الفنان التشكيلي والخطاط المبدع " سعيد فلاح النهري " .

 هذا الاثر الابداعي من المخطوطات المميزة لسعيد النهري الذي ولد في مدينة سخنين احدى مدن شمال فلسطين المحتلة 1961م ، وقد برزت مواهبه وميوله للفن في سن مبكرة ، حيث تتلمذ على يد الخطاط الفلسطيني الكبير محمد صيام و تابع دراسته الأكاديمية في كلية " فبتسو"  في مدينة حيفا الفلسطينية ، ليتخرج من قسم التصميم " الغرافيك والخط " عام 1983م ، وقد حصل سعيد خلال مسيرته الفنية على العديد من الجوائز ، خلال مشاركته في العديد من المعارض الجماعية والفردية في ميادين الفنون عموماً والخط العربي خصوصاً داخل فلسطين وخارجها .   

 وجد النهري في الخط العربي مجالاً فنياً مضافا لرسوماته ولوحاته التشكيلية ، فقد اجتهد على نفسه متعمقاً في جديد التقنيات الفنية المبتكرة فضلا عن ، مقدرته الاستثنائية على تلمس خطاه في ميادين الخط العربي ، الموصول بإيمانه العميق بعروبته ، كون الفن هو الوحيد الذي قدم رسالة الأمة العربية والإسلامية في أبهى حلة جمالية وروحية امام العالم من خلال القران الكريم .

 المخطوطة اعلاه تمثل حالة فنية مميزة اتى بها الفنان للآية السادسة من سورة فاطر " إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا "  ، ومما تبدو عليه اللوحة فهي قد انجزت بطريقة فنية اقرب الى الاحفورة ، حيث عمد الفنان الى احاطة الكلمات باطار بيضوي الشكل اكسبه لونا مختلفا عن باقي اجزاء اللوحة من اطار، ليجعل من فضاء اللوحة " خلفيتها " مميزا بلون ترابي يشد اذهان المتلقين ويجعلهم بتصور انهم امام رقعة طينية قديمة تفطرت اطرافها وتآكلت بمرور الزمن ، موضحا بذلك التزامه بالتقاليد المتجذرة في عمق سلوك الفنان المسلم وفكره النير ، مما يجعل من لوحاته تبدو كامتداد من الماضي الى المستقبل مرورا بالحاضر، وهذا من الاساليب الفنية المهمة المتبعة لديمومة الخط العربي والحفاظ على تقاليده الفنية وقواعده واصوله الجمالية ، فضلا عن حرص الخطاطين وفي كل الازمان للمحافظة عليه " الخط العربي "  من خلال اتقانه وتعليم قواعده الى النشئ الجديد واستمرارية تجويده .  

 لم يكن سعيد النهري غائبا عن هذا المشهد الفني المعاصر فهو في صيرورة دائمة ودائبة مع كل ما هو جديد فاستطاع أن يجد لنفسه من خلال اجتهاده كفنان تشكيلي وخطاط ، تبرير فلسفي رسم اسلوبه الخاص في الفن اتى به الفنان بمضامين مستوحاة من جذوره وحضارته ذات الأصول العربية المستمدة من روح العقيدة الاسلامية ، لينتهي به الامر الى ابداع إنجازات فنية قد تكون تعبيرية لا تخلوا مضامينها من انطباعاته الذاتية معتمدا على أساس تطويع الخط العربي وتوظيفه بصورة جمالية إبداعية معاصرة ذات لكنة تراثية خلابة . 

سامر قحطان القيسي

مقالات ذات صلة

لغة الارواح..
الخط والزخرفة

لغة الارواح..

تكشف اللغة البصرية في الفن الاسلامي ومن خلال لغة التجريد عن قدرة لامتناهية من الانفتاح نحو المطلق فالتجريد في الفن الاسلامي يشكل افناء لصفات الاشياء وخصائصها الحسية. لان القرب من الحق لا يكون معه وجود للشيء لان وجود الشيء لا يمكن ان يكون قائماً بذاته بل بالقدرة الالهية، فتغييب وجود الشيء ونفيه لذاته من تعلقاتها المادية ما هو الا تسليم وخضوع مطلق لله، هذا يعني من زاوية اخرى، ان الفن الاسلامي وجد في نظرته للنسبي والمطلق، طريقه للتسامي لإعلاء قيم السماء، ان السعي الى مالا تدركه الابصار يلغي المسافات والابعاد ويخرج من عالم الطبيعة متوجهاً الى عالم كلي.

جمال الخطوط وقدسية المضامين..
الخط والزخرفة

جمال الخطوط وقدسية المضامين..

ان الوجود بأسره يتسم بمظاهر الجمال بدأً بما تقع حواسنا عليه من عناصر طبيعية , والتي أصبحت مرجعيات جمالية , وصولا إلى الجمال الذي هو خاصية يمنحها الإنسان للأشياء التي يقوم بابتكارها أو تصميمها من خلال التناسق الذي يخلقه عن طريق أجزاءها , فالجمال هو وحدة خاصة بالعلاقات الشكلية نتلقاها من خلال ادراكاتنا الحسية في ابتكار أشكال وتكوينات جديدة وهذه الأشكال تقوم بإشباع إحساسنا الجما ل

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

سجّل الدخول للتعليق بحسابك الموثّق.