زخارف ترنوا اليها عيون المتوسلين
تتباطأ الانفاس وتتوقف الخطى عند توجهنا الى البارئ عز وجل ، رافعين الأكف بالدعاء طلبا للمغفرة والنجاة يوم فقر ، مستشفعين متوسلين اليه بمن اذهب عنهم الرجس وجعلهم رحمة للعالمين ليكونوا باباً لنيل السعادة في الدنيا وآلاخرة و وسيلة للنجاة من النار.
أنعم الله على بني البشر انه امرهم بالتوسل له والاستشفاع بمحمد وال بيته الاطهار" صلوات الله عليهم " وجعلهم وسيلة لابتغاء رضوانه ، فقد قال سبحانه " يا أَيُّهَا الَّذينَ امنوا اتُّقُوا اللهَ وَاَبْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجاهِدُوا فِي سَبيله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ " فأي وسيلة خير من إتباع محمد وال بيته عليهم السلام ؟ و اي وسيلة خير ممن احبهم الله ؟ فهم باب الله الاوسع وبهم يستقيم دين محمد وهم سفن نجاة الامة وتبقى سفينة الحسين عليه السلام هي الاوسع والاسرع لنيل الشفاعة والرحمة الالهية .
هذا المشهد الزخرفي مقتطع من احدى بقع جنة الحسين عليه السلام في كربلاء ، ويمثل احدى القباب المتناظرة المنتشرة على سقف الصحن الحسيني الشريف والتي وضعت تيمنا بالاربعة عشر معصوما "عليهم السلام " وهي تحمل في طياتها دعاء التوسل محيطا بالقواعد المربعة التي ترتكز عليها ، فضلا عن اسماء المعصومين "عليهم السلام " تتوسط كيان زخرفي متكامل يشغل مساحة القبة من الداخل .
التكوين ذي بناء زخرفي دائري، شُغلت مساحته الداخلية بتكوينات زخرفية مختلطة متكاملة حققت جذباً بصرياً للمتلقي ، فاذا ما نظرنا الى التشكيل الزخرفي للقبة من الداخل نجده يتألف من مجموعة متنوعة من الزخارف (النباتية والهندسية والخطية) تداخلت فيما بينها ضمن نظام بؤري دائري اقرب للشعاعي توضحت ملامح أبنيته التنظيمية المنبثقة من قلب الشكل المتكون من مخطوطة بأسم سيد الشهداء ابي عبد الله الحسين " عليه السلام " من خلال التناسق ودقة التصميم والتي أعطت انطباعاً عن البعد الروحي لهذا التشكيل ، سيما وان خاصية ملء المساحات بالزخارف كانت تشّكل قاعدة أساسية في منهج المزخرف الاسلامي بشكل عام .
نحى الفنان في هذا المكون الزخرفي منحا جماليا واضحا من خلال طبيعة التجريد الحقيقية للأشكال الزخرفية النباتية والهندسية والتي لامست جوهر الرؤية الجمالية للفن الاسلامي في هذا المكان المقدس ،فقد اعتمدعملية صياغة جدية للعناصر الخطية واللونية والشكلية والحجمية على أسس الوحدة والتناغم والتوازن والسيادة والتكرار المتعارف عليها ضمن سياق ابداع المزخرف الاسلامي ، وهذا ما استطاع تحقيقه في الطبيعة البنائية لهذا التكوين الزخرفي المتناظر مع اقرانه من الاشكال القببية الاخرى المنتشرة في سقف الصحن الحسيني المطهر .
اعتمد الفنان في هذا البناء الزخرفي على وجود بؤرة مركزية أحاطت بها التشكيلات الزخرفية الاكبر حجما ضمن إطارات دائرية لتنسجم مع الطبيعة المعمارية الدائرية للقبة ، فوجود البؤرة في مركز االبناء القببي شّكلت الانطلاقة الشكلية لكل التكوينات الزخرفية الأُخرى ، حيث اخذت " البؤرة " اشكالا خطية متنوعة تحمل اسماء المعصومين "عليهم السلام " بدأ بالرسول الاكرم محمد " صلى الله عليه واله " وصولا الى الامام الحجة ابن الحسن " عجل الله فرجه الشريف " ، لتبث اشعاعات شَكّلت مساحة ذهبية أحاطت بها مساحات دائرية أُخرى شُغلت بمجموعات من الأشكال النباتية الدقيقة بالوان مختلفة اتصلت فيما بينها لتعطي نسيجاً لونياً يتراوح بين وحدات زخرفية حمراء وبرتقالية فاتحة اللون فضلا عن اشعاعات اللون الذهبي المحيط بها ،لتمتد الى أرضية زرقاء .تشغل ما تبقى من المساحة الزخرفية الدائرية والتي احتلت الجزء الأكبر ، المتألف من تكرار وحدات زخرفية نباتية متشابكة متداخلة على شكل دوائر تحيط بمركز الشكل البؤري لتمتد متصلة فيما بينها لتختلف وحداتها من حيث الحجم واللون ، فهي تكبر كلما ابتعدت عن المركز الزخرفي الخطي مقتربة من الاطار الخارجي للشكل وهي تحمل الوانا مختلفة الدرجات بين اخضر واصفر وابيض وبني ، فضلا عن احتوائها من الداخل على مجموعة من الزخارف التزويقية النباتية الدقيقة ذات اللون الزهري .
احيط هذا التكوين المميز بشريط زخرفي اغلق المساحة الزخرفية الدائرية للقبة ، ليكون على شكل انصاف دوائر متراصفة متجهة الى الداخل لتشكل مصفوفة دائرية تؤطرالشكل وتحدده من الخارج ، نفذت باللون الازرق الفاتح على ارضية ترابية اللون يحدها من الخارج شريط من اشكال زخرفية نباتية متجاورة باللون الاخضرالممزوج ببعض الذهبي ليتجانس ولون الارضية التي نفذ عليها .
هذا التنظيم التصميمي الزخرفي الخليط أعطى تعبيراً واضحاً عن دلالات ترتبط بالبعد الروحي والجمالي تارةً ، وبالبعد البنائي تارةً أُخرى ، من خلال انسجام الالوان وتوظيف الوحدات الزخرفية الصغيرة في ملء المساحات التكوينية الاكبر التي تعطي ايحاءً بالاستمرارية والتعبير عن قدسية المضمون الروحي لصحن الامام الحسين عليه السلام .
سامر قحطان القيسي
مقالات ذات صلة

وتعز من تشاء..
لا اختلاف على ان خط الثلث بصورته النموذجية التي نراها الآن هي ناتجة من إبداعات وتنافس الخطاطين عبر حقب زمنية مختلفة مما جعلهم يجتهدون ويثابرون لكي يرتقوا بهذا الفن الأصيل إلى أتم وأكمل صورة كما هي عليه الآن .

لغة الارواح..
تكشف اللغة البصرية في الفن الاسلامي ومن خلال لغة التجريد عن قدرة لامتناهية من الانفتاح نحو المطلق فالتجريد في الفن الاسلامي يشكل افناء لصفات الاشياء وخصائصها الحسية. لان القرب من الحق لا يكون معه وجود للشيء لان وجود الشيء لا يمكن ان يكون قائماً بذاته بل بالقدرة الالهية، فتغييب وجود الشيء ونفيه لذاته من تعلقاتها المادية ما هو الا تسليم وخضوع مطلق لله، هذا يعني من زاوية اخرى، ان الفن الاسلامي وجد في نظرته للنسبي والمطلق، طريقه للتسامي لإعلاء قيم السماء، ان السعي الى مالا تدركه الابصار يلغي المسافات والابعاد ويخرج من عالم الطبيعة متوجهاً الى عالم كلي.

جمال الخطوط وقدسية المضامين..
ان الوجود بأسره يتسم بمظاهر الجمال بدأً بما تقع حواسنا عليه من عناصر طبيعية , والتي أصبحت مرجعيات جمالية , وصولا إلى الجمال الذي هو خاصية يمنحها الإنسان للأشياء التي يقوم بابتكارها أو تصميمها من خلال التناسق الذي يخلقه عن طريق أجزاءها , فالجمال هو وحدة خاصة بالعلاقات الشكلية نتلقاها من خلال ادراكاتنا الحسية في ابتكار أشكال وتكوينات جديدة وهذه الأشكال تقوم بإشباع إحساسنا الجما ل



بعض من روحية الحرف العربي..
تستمد الحروف العربية زخرفتها من تناسق الحروف، وقد اتخذ الخطاطون العرب في القرون الوسطى الحروف العربية ما يصلح لان يكون اساساً لزخرفتهم فوظفوا عناصر زخرفية جميلة من رؤوس الحروف وسيقانها ،