الى روح الشهيد السعيد (أحمد هادي سلمان حمزة الكرعاوي) الشاب الذي أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ

, منذ 4 اسبوع 23 مشاهدة

لأني لا أظنك نسيت يا بني جهدي في تربيتك، وعمري الذي اغدقته عليك. واني ارى هذا الاصرار الجريء في عينيك، أنها صلابة قوامها الممتد عن الاجداد والآباء والأبناء.
 حقا انت أحمد ذلك الشاب معتدل القامة، ذو الوجه الطفولي الذي لا يرضى ان يكبر، صاحب العينين الصافيتين الضاحكتين بسبب او بدون سبب، الذي كان يسرع الخطى محاربا -العوز والفقر والحرمان- ليجمع ما بين عمله ومدرسته ليكفيني ويكفي البيت مؤونة اليوم، وهو يصرخ بكبرياء وشموخ «حمل الجبال ولا منة انذال» .
في هذا الموقف يجد أحمد صعوبة في الكلام أمامها، فهو دائما في حاجة الى دروس منها ،فهي بطيبتها وطبيعتها تعد مدرسة معه، ومثل نادرا للامهات. لذا كانت اعصاب وجهه تبتسم، ولسانه تحرّك مرددا :
-    أمي، ان الانتماء والشهادة هما  تجعلان للحياة قيمة، ليست  الوجاهة الزائفة وحيازة الاموال، ولا شرف النسب، ولا علو المنصب، ولا الاشياء الدنيوية التي يجري وراءها الاخرون بتملق المظهر. هي ان يخرج الانسان منها شهيدا. تلك هي قوة الحياة..القوة الفاعلة ذات اثر خالد في الوجود الدنيوي والأخروي.
امي، أنا لم احقق في حياتي شيئا ، ولم أعرف المعاناة بوجودك، فدعاؤك كان يفرش لي الخير اينما أعمل. والحقيقة يا أم احمد ،لم أعد أدري ما هي المعاناة ،او الشعور بالحرمان والالم وانت تزقيني الحنان وحب الامام الوجيه. لقد وصلت الى نهاية المطاف في هذا الامر ،فليس في حياتي ما يلفت النظر سواكِ وعائلتي الصغيرة المتكونة من طفلين وزوجة، لولاك لم اتزوج قط. ولا أنا من حملة الشهادات الكبيرة واكتفيت بالخدمة العظيمة لمولاي الحسين الشهيد وهي أعظم الشهادات التي حصلت عليها بتزكية من هم حوالي من الموالين. اليوم جاءت الفرصة حتى اتخرج من أعلى مدارس الكون(مدرسة الحشد الشعبي) قائدها الامام السيستاني، وأنت ستفتخرين بي بالتأكيد. ولن انساك لانك لا تستطعين ان تنسيني فكل من حولك يذكرك بي.. أنا أبنك أحمد الحسيني بامتياز.
بهذا الجو الصاخب المعبأ بالعوز والحرمان، التحق أحمد مجاهدا ضمن تشكيلات لواء -علي الاكبر القتالي- تاركا خلفه كل الحياة وملذاتها، بعد ان تيقن ان الجهاد الكفائي الذي اطلقته مرجعيته الدينية العليا هو من اجل الدين والعرض والأرض والمقدسات.شارك ببسالة في كل معارك اللواء.وكان يردد مقولته المشهورة  :
- عهداً  سيدي يا حسين سنحرر العراق من (دواعش) الارهاب حتى لو كلف ذلك ارواحنا ...
خاض احمد معركته الاخيرة في يثرب وبلد، وتم تطهيرهما من الانجاس، وتحرير أهلها من الظلم التكفيري السائدي. لم يمض من يوم الانتصار سوى نهاره حينما طرق الباب صديق أحمد، وكسرعة الطلقة فتحت الباب على مصراعيها وقبل ان يتحدث قالت : حسين «أحمد» استشهد.
لم يستطع حسين تمالك نفسه ونحب كالمذبوح يشخر بجزع والم ، وخانته حنجرته التي توقفت عن النطق فماتت الحروف والكلمات وعجز لسانه عن قول أي كلام انهار تماما فبرك على ركبتيه ووضع كفيه على وجهه وأجهش بالبكاء وهو يصرخ: استشهد قرة عين كربلاء وباب الخان.. استشهد زين شباب القرعاويين.
وحين اقبل المشيعون بزيهم الرسمي يحملون النعش باتجاه البيت تتقدمهم رايات الحسين والعراق، والجوقة الموسيقية بصوتها الحزائني  ترهب القلوب المفجوعة  بالحانها المثيرة  والمؤلمة. انه مشهد الوداع الذي تردد صداه في كل كربلاء.  


حيدر عاشور

مواضيع قد تعجبك

Execution Time: 0.1074 Seconds