العتبة الحسينية المقدسة
لوحات

الاشكال الفنية.. بين الواقع والايهام

2,067 مشاهدة3 دقيقة قراءة

يقتنص الفنان التشكيلي بموهبته ودربته نصوصاً فنية تحاول عين المشاهد المتلقي ترجمتها ومعرفة كينونتها لتكون بعد ذلك نصاً تدركه العين، فالواقع ان اللون في العين هو لغة، والشكل والخط لغة ايضاً، وتقنية التنفيذ وضربات الفرشاة على اللوحة لغة اخرى.. تجمع بدورها الاحجام والمواد والاشكال داخل حدود اللوحة، و تقع على العين مسؤولية تركيب المادة المرسومة وتحملها بممكنات التعبير واحتمالات الانفعال، فهي لغات تختزنها العين من ما ينتشر على سطح اللوحة او على واجهات الابنية والنقوش والمنحوتات ، فالتشكيل تحويل لما يمثل امام العين الى نصوص تمنح الاشياء والالوان دلالات غير دلالاتها في الواقع تقود العين بدورها الى اختراق المرئي والتحكم في مداراته. 

ولا شك ان كل هذا ممكن عن طريق الخضوع لسياق الايهام - الذي يبثه الفنان من خلال لوحته - بين الواقع والمتخيل الذي شكلت ثنائيته عبر العصور المختلفة سؤال الهوية عن التاريخ والانجاز، ومحوره المنضوي على اعادة صياغة اخرى للتاريخ، فمن خلال التأمل لهذا الانجاز الفني الايهامي التخيلي سوف يجد القارئ بين عناصره واشكاله غزارة وكثافة فنية غير متوقعة لم يكن يسيراً عليه فهمها مع غياب فهم العلاقات والانتقالات النوعية من سياق الى اخر ومن نظام الى اخر، ولكن نجد في محصلة ذلك التأمل ان الايهام المبثوث من قبل الفنان قد شكل بين الواقعي والمتخيل ذاكرة التشكل وخطابه ونظامه، فعملية الايهام يغلفها ويحيط بها فعل التواصل بين اللوحة والمشاهد، وان تعقيد عملية التواصل يؤدي حتما الى ما هو وهمي، حيث تدار لعبة الايهام المتبادل بين الاثنين ويحاول كل من الفنان والمشاهد فك شفرات الاشكال لإنجاز فعل التواصل مع العمل الفني.

وعلى ضوء ذلك تنجز عملية الابداع والخلق الفني فعلها في التذوق، فكل انسان هو اجتماعي ويعيش في بيئة معينة ولها طبيعتها ومناخها.. وبإمكانه ان يصنع لنفسه ايهاما بالعالم وهو ايهام متأرجح بطبيعته، فتارة ما يكون شعري وتارة اخرى عاطفي حافل بالفرحة والحنين او السوداوية والاحزان تبعا لطبيعة الشخص، وليس لمنتج العمل ومنفذه الا ان يعيد بإخلاص انتاج هذا الايهام بكل طرائق الفن التي تعلمها والتي يستطيع ان يستعملها .

ان تفكيك الاعمال الفنية التي تقدم نفسها كونها مموهة او تخيلية الاشكال ينبني على ان هذه الاعمال ومنتجيها قابلة على تحمل مسؤوليتها امام المشاهد، اذ يجب ان تكون مقنعة ومقتنعة بالإيهام الذي تحدثه، مثل تصوير بعض الروايات والقصص الخيالية، وهذا بطبيعة الحال قد يكون قائما على اساس التصديق الكامن بالإيمان الجماعي بالحادثة او الرواية المرسومة ،

 فالإيمان الجماعي بشيء ما يؤسس في هذا المجال قاعدة تصديقا لأهمية وفائدة الفن في المجتمع، ويبدو ان ذلك يكون ادق واكثر تأثيراً من الواقع الذي يستطيع المشهد المرسوم ان يحدثه، ولكي نفهم تأثير هذا التصديق بتمييزه عن التأثير الذي تحدثه العين، ينبغي ان نلاحظ ان هذا التركيز يرتكز على الاتفاق حول الافتراضات المسبقة، او بدقة اكبر، مخططات البناء التي يدمجها  كل من الرسام والمتلقي في انتاج العمل والتي تصلح للكشف عن انها مشتركة بين الرسام والمشاهد أي انها تمتلك مقومات عالم الفهم المشترك بين الرسام والمشاهد، فالاتفاق شبه الشامل حول هذه البنى، ولاسيما البنى المكانية والزمانية، هو اساس الايمان الجماعي وتصديق واقعية العالم، اذ ان المكان والزمان في المنجز الفني لهما وجود محمل بالمتخيل والوهمي وعبر التمثل والتمثيل في كل النتاجات الفنية وعبر العصور المختلفة.

مقالات ذات صلة

الحداثة والموروث .. تجليات من الروح الانسانية
لوحات

الحداثة والموروث .. تجليات من الروح الانسانية

الحداثة هي نزعة إنسانية تطورية تحمل طابعاً يتنازعه الاختلاف والتعقيد خلال حركتها المتواصلة عبر التاريخ وهذا ما يجعل منها مصطلحاً لا يخلو من قوام الهلامية والتداخل، ولا شك أن أفق الحداثة هو افق ممتد ومتواصل سواء كان ذلك نتيجة قطيعة مع الماضي أو لا ، فالحياة بطبيعتها تشهد متغيرات مستمرة حتى وإن اتخذت نسقاً مناقضاً، فأنها تحمل بواعث تفجّرها في الداخل ، وهذا ما حدث لكل المناهج الفكرية منها الفن.

صرخة ألم ..
لوحات

صرخة ألم ..

اللوحة تجسد عملاً فنياً عقائدياً جَسدَ فاجعة استشهاد الامام موسى بن جعفر سلام الله عليه، حينما ألقى جلاوزة الطاغية بجنازة الأمام على جسر بغداد في الوقت الذي كان شيعته ينتظرون خروجه حياً كما وُعدوا، وكما يتبين للمشاهد ان المنجز الفني يحمل بصمة الفنان الايراني حسن روح الامين المتميز بأسلوبه الواقعي في طرح موضوعاته الفنية التي يستشعر المشاهد من خلالها مدى حبه وشغفه بأهل بيت النبوة الأطهار سلام الله عليهم اجمعين، وتتبع وقائع مظلوميتهم وتوثيقها بعناية تامة لتتناقل عبر الاجيال، معتمدا بذلك على الروايات المتواترة والخيال بعيدا عن الغلو والتطرف في طروحاته الفنية المميزة .

استحضارات الهامية
لوحات

استحضارات الهامية

في فن الخط تكتسب الحروف المكتوبة مكانة رمزية، لكن حين تفقد تحديداتها الخارجية يصبح القارئ مضطراً إلى اللجوء إلى خياله ليتمكن من فك الرموز لبلوغ المعنى الكامن في الكلمة )... هذا ما اكده مبدع اللوحة اعلاه في وصف اسلوبه الفني المبتكر، انه التشكيلي التونسي ( نجا مهداوي ) ، وهو خطاط وفنان تشكيلي ولد عام 1937م وامتهن الفن الذي اولع فيه منذ الصغر حتى تخرج من أكاديمية الفنون بروما ومن ثم مدرسة متحف اللوفر.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

سجّل الدخول للتعليق بحسابك الموثّق.