البراق ..
سعى فنانو العراق للفن الحديث إلى تحقيق فكرة ربط التراث العربي بروح العصر من خلال طروحاتهم الفنية المتنوعة الداعية إلى استلهام خصائص التراث العربي الإسلامي وفق رؤية عصرية ومحاولة ربطها بالقيم الفنية الحديثة وبالتالي بناء اساليب جديدة قائمة على التزاوج بين الموروثات والافكار المعاصرة .
فالفن بحد ذاته يخلق كائنات ملموسة داخل العالم الذي يبدعه الفنان والمتمثل باللوحة ، والقيمة الفنية لأي منجز ابداعي يتم تقييمها بناء على إيجاد الشكل الأكثر ملائمة لخلق هذا العالم والتعبير عنه ، فضلاً عن الوحدة والتنوع الموجودين في العالم المُبتـدع ومنها بالتأكيد وجدت الأعمال الفنية الأصيلة والخالدة التي تركت أثراً في نفوس المتلقين ومنها لوحة البراق .
تُعد لوحة البراق من أشهر أعمال الفنان التشكيلي العراقي الرائد كاظم حيدر لأهميتها الخاصة في الحركة التشكيلية العراقية والعربية على حد سواء .
الرسام كاظم حيدر من مواليد العراق 1932م حصل على شهادته الاولى في الادب من دار المعلمين العالية عام 1957 ، ألتحق بعد تخرجه من دار المعلمين بمعهد الفنون الجميلة ، ودرس بعدها فن الرسم والديكور المسرحي في الكلية المركزية للفنون بلندن وتخرج منها عام 1963 .
له العديد من المشاركات في المحافل الفنية داخل العراق وخارجة ، حيث شارك بادئ الامر في معرض شخصي خارج العراق بين عامي 1965م - 1969 م ، وأسهم بعد ذلك في تأسيس جمعية الأكاديميين عام 1971 لينطلق رائداً في مسيرة الفن الرصين ، حتى وافته المنية في 24-كانون ثاني 1985 متأثرا بمرض عضال .
وهو عضواً في جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين ونقابة الفنانين ، ولم يكتف بفن الرسم فقط بل أختص ايضاً بصناعة ديكور المسارح فأبدع بهذا النمط الفني حيث أتحف مسرح الفن الحديث في اعمال كثيرة.
يجسد الفنان في اللوحة اعلاه مشهد البراق ، حيث تتداخل أرضية العمل مع الأشكال على السطح ، وتقسم أرضية العمل على شكل كتل لونية تبدو غامقة غائرة في الجزء الخلفي منها وراء الألوان الفاتحة في الجزء الأمامي وهي توحي بالاتجاه إلى الأمام .
شكل البراق هو علامة مهيمنة في العمل ، وهو مركب من رأس وجنح طائر وجسد بأرجل حصان يحيل في مرجعياته إلى الأشكال الأسطورية في الفكر الماورائي الميتافيزيقي وكذلك في الرسومات الإسلامية ، ودلالياً فالبراق لا يبتعد عن الواقع او الفكر الاجتماعي والديني المحمول على الأشكال الموروثة والمنقولة عبر الاجيال .
لو دققنا مركب الشكل المرسوم وأساسه ، لوجدنا ان له مرجعيات في الحضارة الإغريقية أو وادي الرافدين وبالخصوص في الفترة الآشورية حيث هيئة الثور المجنح ، مما يحيل المتلقي دلالياً إلى بيئة رافدينية أصيلة ، وايضاً يمكننا ملاحظة هذه الدلالات في الشكل المركب للبراق ، ونكون أمام استعارات أسلوبية غربية تقترب من اسلوب المدرسة التكعيبية التحليلية في الفن الغربي الحديث .
نفذ كاظم حيدر عناصر الشكل التشبيهية - الرأس والتاج من فوقه والأرجل والجسد الشبيه بالحصان والأجنحة - بألوان متفاوتة بين درجات البنفسجي والأبيض والازرق السماوي ، في حين يتفرد أحد الأجنحة والتاج باللون الأحمر عن ما هو بارد من الالوان .
يقع العمل على أسلوب التوازن والانسجام والتكرار ، فالأقواس تتكرر في كل الأشكال بل هي التي تحدد الإطار وهي بالتأكيد من يخلق الحركة والتوازن بين اشكال اللوحة ، مما يساعد في تماسك بنية التكوينات الفنية وبالتالي تحديد هوية العمل وتشكيله صياغياً عبر مرجعياته الموروثة من حضارة ارض الفراتين .
سامر قحطان القيسي
الموقع الرسمي للعتبة الحسينية المقدسة
مقالات ذات صلة




الحداثة والموروث .. تجليات من الروح الانسانية
الحداثة هي نزعة إنسانية تطورية تحمل طابعاً يتنازعه الاختلاف والتعقيد خلال حركتها المتواصلة عبر التاريخ وهذا ما يجعل منها مصطلحاً لا يخلو من قوام الهلامية والتداخل، ولا شك أن أفق الحداثة هو افق ممتد ومتواصل سواء كان ذلك نتيجة قطيعة مع الماضي أو لا ، فالحياة بطبيعتها تشهد متغيرات مستمرة حتى وإن اتخذت نسقاً مناقضاً، فأنها تحمل بواعث تفجّرها في الداخل ، وهذا ما حدث لكل المناهج الفكرية منها الفن.

صرخة ألم ..
اللوحة تجسد عملاً فنياً عقائدياً جَسدَ فاجعة استشهاد الامام موسى بن جعفر سلام الله عليه، حينما ألقى جلاوزة الطاغية بجنازة الأمام على جسر بغداد في الوقت الذي كان شيعته ينتظرون خروجه حياً كما وُعدوا، وكما يتبين للمشاهد ان المنجز الفني يحمل بصمة الفنان الايراني حسن روح الامين المتميز بأسلوبه الواقعي في طرح موضوعاته الفنية التي يستشعر المشاهد من خلالها مدى حبه وشغفه بأهل بيت النبوة الأطهار سلام الله عليهم اجمعين، وتتبع وقائع مظلوميتهم وتوثيقها بعناية تامة لتتناقل عبر الاجيال، معتمدا بذلك على الروايات المتواترة والخيال بعيدا عن الغلو والتطرف في طروحاته الفنية المميزة .

استحضارات الهامية
في فن الخط تكتسب الحروف المكتوبة مكانة رمزية، لكن حين تفقد تحديداتها الخارجية يصبح القارئ مضطراً إلى اللجوء إلى خياله ليتمكن من فك الرموز لبلوغ المعنى الكامن في الكلمة )... هذا ما اكده مبدع اللوحة اعلاه في وصف اسلوبه الفني المبتكر، انه التشكيلي التونسي ( نجا مهداوي ) ، وهو خطاط وفنان تشكيلي ولد عام 1937م وامتهن الفن الذي اولع فيه منذ الصغر حتى تخرج من أكاديمية الفنون بروما ومن ثم مدرسة متحف اللوفر.