العتبة الحسينية المقدسة
دراسات و بحوث

الفن ضرورة اجتماعية

9,325 مشاهدة3 دقيقة قراءة

تلعب الفنون بشكل عام دوراً مهما في ترسيخ القيم الإنسانية النبيلة ضمن المجتمعات ، بما يضمن تغيرها نحو الأفضل فهي تمثل نهجاً مستقلاً للمعرفة ، كون الفنان يعد قائدا اجتماعيا يتآزر بدوره مع قادة المجتمعات لرسم خارطة طريق تخلق توازن بين افراد المجتمع الواحد ، ومن هنا اصبح لزاما على الفن ان يكون أهلاً لمخاطبة جميع أفراد المجتمع وليس فئة دون أخرى ليجمع أفراد المجتمع بوجدانية وافاق ثقافية موحدة ليكونوا على درجة كافية من الوعي والادراك فهو بطبيعته " الفن " يتعرض للكثير من المواقف والامور المقومة لحياة الفرد الاجتماعية كما هو شأن الفنون الاسلامية على سبيل المثال بتوثيق ونقل الوقائع عبرالاجيال والحضارات المختلفة لنشر الرسالة المحمدية سعيا لتوحيد المجتمعات وزرع بذور الأمل والتفاؤل بين أفرادها ، من خلال التزام الفنان بطروحاته ورؤيته الخاصة لرسالته المبتغاة من وراء فنه .

وليس بالضرورة ان يلتزم الفنان تعبيراً مباشراً عن هذه الأمور في آثاره ومنجزاته الفنية ، فبالإمكان تحقيق أغراض الفن وايصال رسالته حتى وان كان الموضوع مأساويا مؤلماً ، كما الحال في طروحات مدرسة الفن العاشورائي والرسوم التي وثقت واقعة الطف وقسوة المجزرة التي حلت بآل بيت النبوة " عليهم السلام " صغارا وكبارا .

فالفن ليس إفرازا عرضياً يرافق تكون الحضارات أو نتاجاً اجتماعيا فحسب ، بل هوأحد العناصر الأصيلة التي تتجه نحو تأسيس المجتمعات ، وان واجب الفن الاساس خدمة الإنسان ما دام لا يظهر إلا من خلاله ، لذا فان واجب الفن هنا هو خدمة المجتمع فلا يؤدي الفن دوره الاعندما يعلم الإنسان كيف يتصرف تصرفاً سليماً ، ويوقظ فيه الرغبة في العمل الفعال مـن اجل توطيد الحقيقة والخير والجمال في الحياة .

 

وقد تناول العديد من الدارسين الفن كأحدى طرق التعليم تحت مسمى " التعليم عن طريق الفن " ، فأعنوا  ان نشر الفنون بين الناس تعليم لما هو معقول ، فضلا عن ان تذوق اي نشاط جمالي " المشاهدة او الاستماع " ليس قفزة في فراغ بل هو في أساسه خبرة اجتماعية قائمة في نفس المتلقي شحذت بتراكم التجربة ، لتجعله على اتصال بحقيقة الأشياء الكامنة وراء حجاب التقاليد التي هي نتيجة التبسيط والتبويب خدمـة لأغراض الفكر ، اي بمعنى اخر الوصول الى حقائق الاشكال الجمالية وبواطنها كتعرض المشاهد لواجهة احدى المقامات او الاضرحة الدينية المقدسة فغاية الفنان هنا احالة نفس المتلقي الى روحانية المكان وقدسيته وبالتالي الشعور بعظمة الخالق سبحانه من خلال كينونة المكان ونقوشه الخلابة ،  وبالمحصلة فهي وسيلة اعتمدها الفنان لإنضاج الغريزة الجماليـة لدى المتلقي لمقاومة الغريزة التملكية لديه ، غاية منه " الفنان " لمنح المشاهد القوة على التمتع بحقائق الاشكال ومرجعياتها .

وبالتأكيد فأن أهمية التذوق الجمالي لا تقتصر على هذا الجانب فحسب ، بل ان الفن قادرعلى لم شمل اطراف اي موضوع ودقائقه في وحدة كلية تربط اجزاءها علاقات متناغمة ككيان متكامل مفهوم ، كما هي الأمـور الإنسانية حينما لا تفهم على حقيقتها إلا في موقعها ضمن شبكة علاقاتها مع بعضها البعض مؤثرة ومتأثرة ، وهذا يتطلب بالضرورة تذوقاً جمالياًبوجود المخيلة القادرة على تصور الأشياء في تداخلها مع بعضها كي نعرف قيمتها الحقيقية .

لقد تمايلت وظيفة الفن عموماً منذ القدم بين خطي المتعة والتعليم ، فكل عمل فني لا يعدم وجود المتعة والتعليم ، فالفن بشكل عام عذباً مفيداَ ولكن يتوجب وحسب طبيعة الفن ان يكون مفيداً ومعلماً من خلال عذوبته كونه يحمل رسالة ما الى المشاهد ، والعمل الفني الناجح هو ما اندمجت في تكوينه صفتا الفائدة والمتعة ، فنفع الفن جديته وتعليميته وهو نفع مفعم بالإمتاع يختلف عن جدية الكتب الممنهجة وباقي العلوم الاخرى في ايجاب تعلمها لأستيعاب رسالتها ، فالفن يفهم بجدية الإدراك للاشكال من خلال الإحساس بحقائقها الجمالية .

 

سامر قحطان القيسي

الموقع الرسمي للعتبة الحسينية المقدسة

مقالات ذات صلة

التذوق الفني والتنمية الجمالية ضرورات مجتمعية ..
دراسات و بحوث

التذوق الفني والتنمية الجمالية ضرورات مجتمعية ..

التذوق حاجة مهمة لبني البشر فكل منا بحاجة الى استشعار الامور وقياسها والميل نحو ما يتفق مع قيمه الجمالية من الناحية الشكلية والنفسية، وعند التعامل مع موضوعة التذوق وعرض كيفية تنميته يجب ان نسلم بان الذوق لا يلقن ولا يعلم ولكنه يكتسب بالمخالطة الصحيحة السليمة والدربة الطويلة، فالتذوق الفني لا يكون بدراسة مادة ما ولنه يوجد بالصورة العلمية المقننة المألوفة المتراكمة عند الفرد.

الذاكرة والتذكر.. ابداع تربوي
دراسات و بحوث

الذاكرة والتذكر.. ابداع تربوي

لقد فتح التقدم العلمي والتكنولوجي آفاقا جديدة لتحسين حياة المجتمعات، وقد وكانت التربية وما زالت من ابرز الوسائل المستخدمة في هذا المجال بوصفها السبيل لتجاوز التخلف في أي بلد، فالتربية لن تكون كذلك الا اذا حققت تلك البلدان التطور العلمي والتكنولوجي المواكب لروح العصر.

فن الرسم والنفس البشرية..
دراسات و بحوث

فن الرسم والنفس البشرية..

هنالك ارتباط وثيق وقديم بين الإنسان والفن ، ودلائل هذا الارتباط ماثلة في الآثار المكتشفة لرسوم الإنسان الاول في الكهوف بغض النظر عن غاياتها، ولا غبار على ان هذا الارتباط قد تأكد في حياة الحضارات القديمة واستمر حتى يومنا هذا، وخلال هذه الاستمرارية من العطاء الفني كان لابد أن يخدم الفن امور حياتية هامة في حياة الإنسان، ولعل حصيلة هذه الامور هي إن الفن على اختلاف انواعه يحفز الإنسان على الإقبال على الحياة ويساعد في التغلب على أعبائها، لو تتبعنا مسيرة الفنون لوجدنا انها كانت وما زالت تمثل المُعبر الحقيقي عن أفكار الافراد أو الجماعات، فهي بمثابة المرآة العاكسة لنشاطات الفرد والجماعة، وهي اللغة البصرية لبني آدم بمختلف اصقاع الارض، لذا فهي تمثل شاهداً على رحابة الجو الثقافي والفني للشعوب وعلى تجذر أسباب المعرفة الفنية التشكيلية بمعطيات الرؤية وليس بالمهارة فحسب .

تأملات في الخلق وجماله..
دراسات و بحوث

تأملات في الخلق وجماله..

اختص الانسان وحده بوعي جمالي يجعله موضوعاً وذاتاً ، فهو كموضوع جزء من نظام جمالي واحد يتمثل بالكون، وهو قادر على ان يأخذ بواسطة وعيه الجمالي وفكره موقفاً خارج العالم الملموس من خلال تأمل النسق الجمالي في موضوعات الخلق وجمالها.

النفس الانسانية جوهر الفن الجميل..
دراسات و بحوث

النفس الانسانية جوهر الفن الجميل..

إنّ النفس الإنسانية جوهر بسيط خالد هبط من عالم العقل مزوداً بذكريات من حياته في ذلك العالم ، واتصال النفس بالجسم مصدر ألم لا ينقضي لأنه مصدر رغبات كثيرة لا سبيل إلى تحقيقها . فمن شاء نعيماً مقيماً وجب عليه أن يستغرق في تأملاته العقلية في طلب العلم وتقوى الله ، لذا فإن الشعور بالجميل عند قد يكون كامناً في محاولة الاعتدال بين النفس والجسم مثله مثل الحكمة والعفة.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

سجّل الدخول للتعليق بحسابك الموثّق.