الخيــام
في مجال الفن التشكيلي استُنبطت الكثير من الاساليب الفنية للنفاذ بالمتلقي الى عمق الواقع والتاثير فيه ، واسلوب الفنان الايراني حسن روح الامين هو احد تلك الاساليب فهو يمتلك موهبة الإبداع والابتكار التي تبدو جلية في معظم لوحاته فهو ذو وعي وإدراك اكاديمي اكتسبهما من دراسته للفنون فضلا عن اطلاعه على تجارب الآخرين وثقافاتهم، يتضح ذلك من سياق هذه اللوحة واخريات مماثلات لها من اعماله التي نلحظ في اغلبها اقترابه الاسلوبي من بعض الرسوم الاوروبية وماتميزت به من واقعية مزجها بموضوعية مع طروحات الفنان الشرقي وكوامنه مما افرز مشاهد واقعية تحاكي القارئ المتأمل لها وتنسج له صورة من شأنها جذبه حتى يصبح في تماس مباشر مع الحدث الذي تمثله .
الخيام هي احدى تلك اللوحات التي اختصرت هاجس الفنان روح الامين والتي اظهرت رغبته في ترك اثراً تخيليا في ذهن المتلقّي يساعده في التنقّل بحرّية داخل اللوحة وملامسة احداثها المؤلمة المتمثلة بحرق خيام ال بيت النبوة الاطهار سلام الله عليهم وماتبقى من اثارها بعد انتهاء معركة الطف وسبي حرم سيد الشهداء ابي عبد الله الحسين عليه السلام .
ولا شك في ان المشهد صادم وقاس ويدمي القلب ،وقد برع الفنان في صنع تكويناته كعمل فني قد صيغت مفرداته كبقايا من الخيام المحترقات بنيران الحقد الاموي وماتبقى من اعمدتها التي تكاد تنير من شدة حرارة جمرها المتبقي ، موزعة في ارجاء اللوحة بالوان داكنة وفي الوسط تتمركزراية حمراء ممزقة الاطراف قد تشكل دلالة واضحة على جيش ابن زياد وتوجهاتهم نحو سفك الدماء الطاهرات ، ومن خلف هذه التكوينات اكسب الفنان اللوحة عمقا لونياً بأفق مظلم متكدر يملؤه الدخان والغبرة المتصاعدة من ارض المعركة مصورا السماء كأنها تشتد حزنا وألماً على هذا المصاب العظيم الذي ألم بأهل بيت النبوة صلوات الله عليهم اجمعين .
وفق الفنان فـي بنـاءاللوحة بشكل متـوازن من خلال محاولته الجادة لخلق انسجام وتوافق بين الشكل والمضمون فبالرغم من ان التفاصيل فيها أقل من غيرها بكثير الا ان الفنان اعتمد على المساحات اللونية ومجاميع من الخطوط المتعانقة والمتشابكة التي خلقت اشكال وتكوينات لونية تحمل في طياتها معان ودلالات عديدة تجسد الأفكار والرؤى والعواطف التي تحاصر الفنان وتعشش في مخيلته حول قضية الحسين عليه السلام .
عمد الفنان الى استخدام تكنيك مميز في هذا السطح التصويري من خلال اسقاط اللون على اللوحة على شكل طبقات ومساحات لونية فابتدأ بطبقة من اللون الاسود منتشرة على سطح اللوحة وبتدرجات مختلفة للدلالة على الحزن والاسى والظلام فضلا عن العداء والظلم ساحباً تلك التدرجات لتمتزج مع اللون الاحمر الحار وسط اللوحة الذي يمثل محورا تدور حوله الالوان ودلالاتها فضلا عن امتزاجها باللون البرتقالي الحار الذي يدل على التوهج وألسنة النيران ، اما المساحات اللونية الاخرى فقد كانت مزيجا من اللون الاخضر المتمثل بخيام اهل البيت عليهم السلام ودلالته على الهدوء والصفاء والسلام ، فضلا عن لوني الاصفر والبني بتدرجات مختلفة بين الغامق والفاتح وهذا يشكل تدرجاً لونياً او امتزاجا لونيا يدل على التشويش والفوضى ، اما الالوان الاخرى فهي الوان مصاحبة للون الاحمر والبرتقالي نتجت عن تمازج الوان اللوحة مع بعضها البعض بأشارة ذكية من الفنان الى ان الارض (على سطح اللوحة) وما عليها تمثل الكثير من العذاب والاسى الموجود في واقع مريرتمثل بحرق الخيام المقدسات لأل بيت النبوة صلوات الله وسلامه عليهم اجمعين في العاشر من محرم الحرام عام 61هـ .
سامر قحطان القيسي
مقالات ذات صلة




الحداثة والموروث .. تجليات من الروح الانسانية
الحداثة هي نزعة إنسانية تطورية تحمل طابعاً يتنازعه الاختلاف والتعقيد خلال حركتها المتواصلة عبر التاريخ وهذا ما يجعل منها مصطلحاً لا يخلو من قوام الهلامية والتداخل، ولا شك أن أفق الحداثة هو افق ممتد ومتواصل سواء كان ذلك نتيجة قطيعة مع الماضي أو لا ، فالحياة بطبيعتها تشهد متغيرات مستمرة حتى وإن اتخذت نسقاً مناقضاً، فأنها تحمل بواعث تفجّرها في الداخل ، وهذا ما حدث لكل المناهج الفكرية منها الفن.

صرخة ألم ..
اللوحة تجسد عملاً فنياً عقائدياً جَسدَ فاجعة استشهاد الامام موسى بن جعفر سلام الله عليه، حينما ألقى جلاوزة الطاغية بجنازة الأمام على جسر بغداد في الوقت الذي كان شيعته ينتظرون خروجه حياً كما وُعدوا، وكما يتبين للمشاهد ان المنجز الفني يحمل بصمة الفنان الايراني حسن روح الامين المتميز بأسلوبه الواقعي في طرح موضوعاته الفنية التي يستشعر المشاهد من خلالها مدى حبه وشغفه بأهل بيت النبوة الأطهار سلام الله عليهم اجمعين، وتتبع وقائع مظلوميتهم وتوثيقها بعناية تامة لتتناقل عبر الاجيال، معتمدا بذلك على الروايات المتواترة والخيال بعيدا عن الغلو والتطرف في طروحاته الفنية المميزة .

استحضارات الهامية
في فن الخط تكتسب الحروف المكتوبة مكانة رمزية، لكن حين تفقد تحديداتها الخارجية يصبح القارئ مضطراً إلى اللجوء إلى خياله ليتمكن من فك الرموز لبلوغ المعنى الكامن في الكلمة )... هذا ما اكده مبدع اللوحة اعلاه في وصف اسلوبه الفني المبتكر، انه التشكيلي التونسي ( نجا مهداوي ) ، وهو خطاط وفنان تشكيلي ولد عام 1937م وامتهن الفن الذي اولع فيه منذ الصغر حتى تخرج من أكاديمية الفنون بروما ومن ثم مدرسة متحف اللوفر.