المكان وقصدية التكوين في العمل الفني ..
يختلف المكان في تفسيراته واهدافه في بناء الفكرة والمعنى اختلافا" كبيرا" بين فن واخر، ولا سيما الفنون التشكيلية بتعبيراتها الجمالية البحتة، اذ يكون التعبير المكاني عند الفنان التشكيلي مختلفاً عن غيره من ناحية الاولويات للناحية الجمالية وتقديمها على الناحية التطبيقية، فهو يعمد على ابراز المعالم التعبيرية من خلال الاشكال والالوان والكتل، فضلا عن التكوينات الفنية المختلفة المجسمة منها والمدورة اضافة الى التقنيات المختلفة من جهة اخرى، كما ويتمكن التشكيلي من ابراز التعبير والجمالية من خلال الخطوط والأشكال وغيرها من العناصر البنائية لعمله الفني.. مع ارتباط ذلك التعبير بالحالة النفسية السيكولوجية للفنان من خلال التاثيرات اللونية وحوار الاشكال مع بعضها البعض .
يعوض الفنان التشكيلي عن الكلمات والكتابات بأشكال وعناصر فنية في عمله الفني وهو ما يستطيع التعبير عن أفكاره وأهدافه من خلال مكونات التكوين الفني نفسه، فهو واضح وقد يكون خال من المبهمات والغموض والالغاز، فالمكان عند الفنان على وفق الدلالة الاصطلاحية ما هو الا وسط غير محدد يشتمل على الاشياء ، وهو متصل ومتماس بشكل مباشر ولا تمييز في اجزائه.. وذو أبعاد ثلاثة هي الطول والعرض والارتفاع ويمكن بناء اشكال متشابهة فيه ، اذ يكون من المتعذر ايجاد مقاربة لهذا المفهوم في تيارات الرسم الحديث ، وبالذات التي تنزع نحو تحرير الخطاب الفني من الابعاد الهندسية تلك . وابعد من ذلك تجريده من محمولاته السيكولوجية، والعقائدية ، والفكرية بما تقتضيه ميكانزم التفاعل بين المكان وشاغله، فاللوحة بوصفها مكاناً فنياً او جمالياً نجدها مشيدة تكوينيا في إبراز هذا الحوار او الجدل المتناغم حيث الشكل يكتسب من خلالها سمة الموضوعية، والارضية هي الاطار العام الذي تحدد فيه هذه الموضوعات الموجودة في العالم الخارجي وهو الذي يحدد وصفها في المكان واتجاهاتها الرئيسية ، حيث ان حركة عناصر اغلب الاعمال الفنية تكون مرتبطة عادة بإبراز المكان من خلال بعض الرموز الدلالية داخل العمل- كما هو الحال في اللوحة اعلاه والتي تمثل مشهداً من مشاهد معركة الطف الخالدة برموزها ودلالاتها العقائدية والفكرية-، والتي تكون متداخلة ضمن الفضاء العام للعمل الفني الذي يمثل الموضع او المكان الشامل الذي تتصارع فيه وعليه احداث وفكرة اللوحة.
من هنا نستطيع القول ان الفنان قد يكون ملزما بتوكيد المكان في العمل الفني كما هو ملزم بالزمان من حيث التاريخ والمعتقد، فالزمن التاريخي الذي يتجسد في بعض اللوحات يمثل حركة الاشياء عبر امتدادها الوقائعي والتتابعي المتمازج ايضا مع الزمان النفسي المرتبط بالتتابع المكاني من خلال حركة شخوص اللوحة، فشخص الحسين بن علي عليهما السلام في اللوحة الواضح في اللوحة اعلاه والرماح والرايات التي تحملها جحافل جيش ابن معاوية واجواء اللوحة المغبرة والوانها الترابية، هي دلالات واضحة عن مكان وزمان حدوث الواقعة على رمضاء كربلاء والتي حاول الرسام تجسيدها وايصال مدى هول مجرياتها، فلا ريب ان الاشكال التي هي وليدة تجربة عقائدية او اجتماعية لا تتغير الا اذا تغيرت التجربة الاجتماعية الثقافية التي انتجتها، وتغيرت القيم النابعة من هذه التجربة وتغيرت عقلية المجتمع وعلاقته بالأشياء ونظرته للعالم، كما ان تطور الشكل يفترض تلازم حرية الفرد معه وحقه الرأي والتعبير دون عوائق، كما ان تمثيل الدور المكاني التاريخي له اثر واضح في تحديد الدلالة الموجهة من قبل الفنان نفسه وحقيقة صراع الفنان مع تاريخه المطبوع في ذاكرته ومعتقده .. فالتاريخ كما هو معروف يفرض نفسه في الفن كما هو الحال في الفنون الاخرى، غير ان النظرة الجمالية هي التي تعطي للتاريخ معناه، فالمكان التاريخي الذي يعبر عنه الفنان التشكيلي بصورة عامة مع اختلاف مرجعياته التاريخية.. يميل وبشدة الى التعبير والتحديد عن الفن الهادف والمؤثر في المجتمع من خلال الاثر الفني ، والفن شكل قبل كل شيء والشكل له دلالة ما، والاثر الفني هو اثر فني لأنه شكل كلي دال متسق مع نفسه وقابل للإدراك.
وعلى ضوء ذلك فقد عد بعض المحللين الفنيين الدلالة في العمل الفني على انها مفهوم قصدي، فالشكل لابد من ان يدل على شيء ويشير الى شيء ويقول شيئا. على ان يقول ويشير ويدل بالشكل وفي الشكل نفسه، لأن الشكل الدال ببساطة هو وحده القادر على أحداث الانفعال الجمالي لدى المتلقي والتأثير فيه، والفنان هو من يبتكر الشكل المؤثر في المتلقي فهو يعيش بين أفراد مجتمعه كأي فرد اخر ولكن ما يمزه من بقية الأفراد هو مقدرته على إدراك عناصر البيئة التي يعيش فيها بشكل أوفى وله المقدرة على المشاركة في مجالات التفاعل المختلفة سواء في مجال التفاعل الانساني او مجال التفاعل المادي ، وما الفن الجميل الا نتيجة من نتائج هذا التفاعل الذي يساعد في بناء ثقافة مجتمع ما.
سامر قحطان القيسي
الموقع الرسمي للعتبة الحسينية المقدسة
مقالات ذات صلة

التذوق الفني والتنمية الجمالية ضرورات مجتمعية ..
التذوق حاجة مهمة لبني البشر فكل منا بحاجة الى استشعار الامور وقياسها والميل نحو ما يتفق مع قيمه الجمالية من الناحية الشكلية والنفسية، وعند التعامل مع موضوعة التذوق وعرض كيفية تنميته يجب ان نسلم بان الذوق لا يلقن ولا يعلم ولكنه يكتسب بالمخالطة الصحيحة السليمة والدربة الطويلة، فالتذوق الفني لا يكون بدراسة مادة ما ولنه يوجد بالصورة العلمية المقننة المألوفة المتراكمة عند الفرد.

الذاكرة والتذكر.. ابداع تربوي
لقد فتح التقدم العلمي والتكنولوجي آفاقا جديدة لتحسين حياة المجتمعات، وقد وكانت التربية وما زالت من ابرز الوسائل المستخدمة في هذا المجال بوصفها السبيل لتجاوز التخلف في أي بلد، فالتربية لن تكون كذلك الا اذا حققت تلك البلدان التطور العلمي والتكنولوجي المواكب لروح العصر.

فن الرسم والنفس البشرية..
هنالك ارتباط وثيق وقديم بين الإنسان والفن ، ودلائل هذا الارتباط ماثلة في الآثار المكتشفة لرسوم الإنسان الاول في الكهوف بغض النظر عن غاياتها، ولا غبار على ان هذا الارتباط قد تأكد في حياة الحضارات القديمة واستمر حتى يومنا هذا، وخلال هذه الاستمرارية من العطاء الفني كان لابد أن يخدم الفن امور حياتية هامة في حياة الإنسان، ولعل حصيلة هذه الامور هي إن الفن على اختلاف انواعه يحفز الإنسان على الإقبال على الحياة ويساعد في التغلب على أعبائها، لو تتبعنا مسيرة الفنون لوجدنا انها كانت وما زالت تمثل المُعبر الحقيقي عن أفكار الافراد أو الجماعات، فهي بمثابة المرآة العاكسة لنشاطات الفرد والجماعة، وهي اللغة البصرية لبني آدم بمختلف اصقاع الارض، لذا فهي تمثل شاهداً على رحابة الجو الثقافي والفني للشعوب وعلى تجذر أسباب المعرفة الفنية التشكيلية بمعطيات الرؤية وليس بالمهارة فحسب .

تأملات في الخلق وجماله..
اختص الانسان وحده بوعي جمالي يجعله موضوعاً وذاتاً ، فهو كموضوع جزء من نظام جمالي واحد يتمثل بالكون، وهو قادر على ان يأخذ بواسطة وعيه الجمالي وفكره موقفاً خارج العالم الملموس من خلال تأمل النسق الجمالي في موضوعات الخلق وجمالها.

النفس الانسانية جوهر الفن الجميل..
إنّ النفس الإنسانية جوهر بسيط خالد هبط من عالم العقل مزوداً بذكريات من حياته في ذلك العالم ، واتصال النفس بالجسم مصدر ألم لا ينقضي لأنه مصدر رغبات كثيرة لا سبيل إلى تحقيقها . فمن شاء نعيماً مقيماً وجب عليه أن يستغرق في تأملاته العقلية في طلب العلم وتقوى الله ، لذا فإن الشعور بالجميل عند قد يكون كامناً في محاولة الاعتدال بين النفس والجسم مثله مثل الحكمة والعفة.
