العتبة الحسينية المقدسة
دراسات و بحوث

المنمنمات بين الدلالة والتأويل ..

5,231 مشاهدة3 دقيقة قراءة

تزخر الفنون الإسلامية بنماذج مختلفة من المنمنمات التي لها مداخلها ومخارجها وأنماط تدليلها، ففي كل منها نص كغيره من نصوص الفنون الأخرى التي تتحدد باعتبارها تنظيماً خاصاً لوحدات دلالية متجليّة من خلال الرموز والإشارات والعلامات وأوضاعها المتنوعة، وإن أشكال حضورها في الفضاء والزمان كفيلة بتحديد العوالم الدلالية التي تكتنزها، ومن هذه الرؤية لا يمكن للمنمنمة أن تتحول إلى نص إلا من خلال عملية انتقاء مزدوجة بين الرموز والعلامات والإشارات التي يجب أن تظهر وانتقاء ما يجب أن تختفي منها.

إن عملية فهم وتأويل صور المنمنمات باعتبارها نشاطاً معرفياً لم يعد يقف في حدود النصوص الأديبة المرافقة لها, بل تعدّى ذلك إلى النصوص البصرية كونها تؤدي ذات الدور الذي تبثه أنواع أخرى من النصوص، وهو في نفس الوقت يمثل نشاطاً ضرورياً تستند إليه العديد من العلوم الإنسانية من أجل فهم أفضل للقيمة التراثية والحضارية للمنمنمة .

وعلى الرغم من أن مفهوم التأويل شديد الارتباط بالتصوّر الذي نملكه عن دلالات المنمنمات وعن شروط وجودها وأشكال تحققها الأولية في مجال الصورة الذهنية على الأقل ، فإن الملامح الأساسية في تكوينها والمعتمدة على أنواع خاصة للخط العربي ، تشير إلى أن هذه الخطوط لا تقف في حدود دلالاتها اللغوية وإنما تجاوزت ذلك إلى قيمتها الجمالية التي تسهم في إعادة صياغة التكوين الفني الذي بدأه الفنان ولم يتمه، ليضيف بعد ذلك المزخرِف مفردات وإن استقلت في ظاهرها عن الموضوع إلا أنها تمثل جزءاً أساسياً من بيئة تلك المنمنمة التي لا تستغني عنه، فالمعاني التي تحملها تلك الخطوط ودلالاتها اللغوية تسهم بشكل فاعل في تحديد المعنى والموضوع في آن معاً ، وهنا قد تكون أبسط التعابير الدالة على التأويل وضروراته هو ما تجتمع عليه كل تلك العناصر في التكوين رغم تعدد دلالاتها المنفصلة، سواءً تعلّق الأمر بأشكال الخطوط المستخدمة أو طرز مختلفة من الزخارف النباتية أو الهندسية أو الحيوانية، أو الرسوم التشخيصية التي تحتفي بها اللوحة كالمشاهد الطبيعة والأشكال التي تدخل في تكوينها.

إن المبدأ الذي تشكلت منه المنمنمات والمتضمّن أشكالاً تعبيرية ووظيفية أبدع في تكوينها الرسام والخطاط والمزخرِف في إنتاج دلالاتها، هي في الحقيقة لا يمكن تأويلها خارج بيئتها الزمانية والمكانية، فإن إمكانية وجود ثوابت لهذا الفن وعلى مستوى دلالة الشكل تحدِّدُه ماهية العناصر ذاتها، وهي بالتأكيد نفس العناصر التي لا يمكن التصرّف بها دون أن يؤدي ذلك إلى المساس بجوهر المنمنمة كظاهرة مرئية، وإن عملية إنتاج الدلالات المرتبطة بخصوصية التكوين الفني للوحة ضمن بيئتها الثقافية والاجتماعية هو وجود يشير إلى المعنى المباشر الذي يمكن اعتباره قاسماً مشتركاً لكل الدلالات التي تتبنّاها أية تكوينات بصرية على اختلاف مكوناتها الفنية، في حين يمكن التعامل مع المعاني باعتبارها قيمة مضافة تعدّ نتاجاً للقيمة البلاغية للمنمنمة.

وعلى الرغم من أن المناهج النقدية الحديثة طوّرت التصوّرات الغربية عن التأويل والذي يطلق عليه اليوم الهرمنيوطيقا فإن هذا السياق يمثل استقطاباً ثنائياً يجمع بين أكثر من دلالة في تأويل المنمنمة .. أحداهما معنى مباشر يتعلق بجماليات التكوين الفني والمشهد الحكائي المنشود، أما الثانية فتتعلّق بالصورة الذهنية التي يحيلها ذلك التكوين إلى البيئة الاجتماعية  حيث تحمل مفرداتها سرّ تأويلها ووجودها ، وفي ضوء ذلك يُعاد تأويل نصوص المنمنات بأوجه مختلفة تبعاً لقراءة معانيها المختلفة .

 

 

جمع وتحرير

سامر قحطان القيسي

الموقع الرسمي للعتبة الحسينية المقدسة

مقالات ذات صلة

التذوق الفني والتنمية الجمالية ضرورات مجتمعية ..
دراسات و بحوث

التذوق الفني والتنمية الجمالية ضرورات مجتمعية ..

التذوق حاجة مهمة لبني البشر فكل منا بحاجة الى استشعار الامور وقياسها والميل نحو ما يتفق مع قيمه الجمالية من الناحية الشكلية والنفسية، وعند التعامل مع موضوعة التذوق وعرض كيفية تنميته يجب ان نسلم بان الذوق لا يلقن ولا يعلم ولكنه يكتسب بالمخالطة الصحيحة السليمة والدربة الطويلة، فالتذوق الفني لا يكون بدراسة مادة ما ولنه يوجد بالصورة العلمية المقننة المألوفة المتراكمة عند الفرد.

الذاكرة والتذكر.. ابداع تربوي
دراسات و بحوث

الذاكرة والتذكر.. ابداع تربوي

لقد فتح التقدم العلمي والتكنولوجي آفاقا جديدة لتحسين حياة المجتمعات، وقد وكانت التربية وما زالت من ابرز الوسائل المستخدمة في هذا المجال بوصفها السبيل لتجاوز التخلف في أي بلد، فالتربية لن تكون كذلك الا اذا حققت تلك البلدان التطور العلمي والتكنولوجي المواكب لروح العصر.

فن الرسم والنفس البشرية..
دراسات و بحوث

فن الرسم والنفس البشرية..

هنالك ارتباط وثيق وقديم بين الإنسان والفن ، ودلائل هذا الارتباط ماثلة في الآثار المكتشفة لرسوم الإنسان الاول في الكهوف بغض النظر عن غاياتها، ولا غبار على ان هذا الارتباط قد تأكد في حياة الحضارات القديمة واستمر حتى يومنا هذا، وخلال هذه الاستمرارية من العطاء الفني كان لابد أن يخدم الفن امور حياتية هامة في حياة الإنسان، ولعل حصيلة هذه الامور هي إن الفن على اختلاف انواعه يحفز الإنسان على الإقبال على الحياة ويساعد في التغلب على أعبائها، لو تتبعنا مسيرة الفنون لوجدنا انها كانت وما زالت تمثل المُعبر الحقيقي عن أفكار الافراد أو الجماعات، فهي بمثابة المرآة العاكسة لنشاطات الفرد والجماعة، وهي اللغة البصرية لبني آدم بمختلف اصقاع الارض، لذا فهي تمثل شاهداً على رحابة الجو الثقافي والفني للشعوب وعلى تجذر أسباب المعرفة الفنية التشكيلية بمعطيات الرؤية وليس بالمهارة فحسب .

تأملات في الخلق وجماله..
دراسات و بحوث

تأملات في الخلق وجماله..

اختص الانسان وحده بوعي جمالي يجعله موضوعاً وذاتاً ، فهو كموضوع جزء من نظام جمالي واحد يتمثل بالكون، وهو قادر على ان يأخذ بواسطة وعيه الجمالي وفكره موقفاً خارج العالم الملموس من خلال تأمل النسق الجمالي في موضوعات الخلق وجمالها.

النفس الانسانية جوهر الفن الجميل..
دراسات و بحوث

النفس الانسانية جوهر الفن الجميل..

إنّ النفس الإنسانية جوهر بسيط خالد هبط من عالم العقل مزوداً بذكريات من حياته في ذلك العالم ، واتصال النفس بالجسم مصدر ألم لا ينقضي لأنه مصدر رغبات كثيرة لا سبيل إلى تحقيقها . فمن شاء نعيماً مقيماً وجب عليه أن يستغرق في تأملاته العقلية في طلب العلم وتقوى الله ، لذا فإن الشعور بالجميل عند قد يكون كامناً في محاولة الاعتدال بين النفس والجسم مثله مثل الحكمة والعفة.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

سجّل الدخول للتعليق بحسابك الموثّق.