العتبة الحسينية المقدسة
دراسات و بحوث

الرمزية في الفن الإسلامي (الحلقة الرابعة)

8,646 مشاهدة3 دقيقة قراءة

الخط العربي رمز اسلامي 

استخدم الفنان المسلم الحرف العربي ووظفه في تزيين جدران المساجد والأضرحة والتحف والمصوغات الإسلامية بشتى أنواعها ، حيث كان لاستخدامه كعنصر زخرفي دوراً مهماً حتى عُدّ ميزة مهمة من مميزات الفنون الإسلامية  ، فضلاً عن طبيعة الكتابة العربية وما في حروفها من مرونة وبساطة وحيوية وقابلية زخرفتها على وجوه شتى.

 ولذلك أصبحتْ للحروف العربية المنقوشة على المساجد وظيفةٌ رمزية  تؤكد قوة الإسلام وروحانيته ، وتمثل تلك الوظيفة الرمزية الجانب الاجتماعي الخالص للفن العربي ، مؤكدة قدرته على إضفاء المسحة الفنية  إلى جانب الفيض والعطاء الروحي الذي يمنحه الإسلام لمعتنقيه وغيرهم .

ومثلما كانت للصورة أهمية كبرى في تجسيد الرمز في ضوء عملية الاتصال البصري، أصبح لأصل الحرف ورسمه وتكوينه اثر مهم في تحقيق رسالته الاتصالية وتحديد دلالته الرمزية وهويته التي تتجلى من خلال الخط ورسمه إضافة الى لون الحرف وبالتالي هيئة الخط ولونه.

تعتمد القيم الجمالية في الخط العربي على جماليات مطلقة ممتدة في الزمان ، حيث الكتابة أعلى مراحل التعبير الإنساني في الفكر المجرد  ولا ترتبط بصور مادية في الحياة الزائلة لأنها صور مؤقتة ، وعليه فهو ثابت لا يتأثر بالمتغيرات المادية وزوالها كونه لا يستمد معاييره منها وليس ترديداً حرفياً لها ، ولا شك ان الخط العربي يستمد قيمة كيانه الجمالي من تلك القدسية التي أحاطت بآيات الذكر الحكيم ومأثور القول وصافيات الحكم التي كان يتداولها الخطاطون ، فهو قد اكتسب ما يمكن أن نسميه جلال المعنى وجمال المبنى ، فتشربت حروفه تلك المعاني في جلالها حتى عد النص المكتوب جزءاً من المنطق الجمالي للخط العربي لأن الكثير من الجانب الذوقي فيه يعتمد على جمال المعاني المدركة التي يثيرها النص المكتوب .

إن عملية تحليل القيم الفنية في الخطوط العربية وفي ضوء المنطق الجمالي للفن الإسلامي تعد واحدة من أفضل السبل في استقاء المعاني والبحث عن لغة تعبيرية جديدة ، فكل دلالات  الخط من مظهر جذاب وتوازن وإتقان وقيم تجريدية وجمالية تحتم على الفنان المتقن لسر الجمال والحرفة أن يعيد ترتيب عناصره وقيمه الفنية و يمنح الخط العربي بعداً وآفاقاً جديدة تستقري الجمال وتتأمله .

فقد تطور الخط العربي ليتشكل بأساليب فنية مختلفة وبأشكال متباينة بعضها زخرفية واخرى هندسية وأخرى مظفرة ومشجرة، وغدا الخط شرف الفنون المستوحى من جوهر المعتقد الديني وبارتفاع مكانته ارتفعت مكانة الفنان الذي يتقن قواعده ويجوده.

أصبح الخط العربي مظهراً من مظاهر الجمال ، بعد أن كان وسيلة للعلم ، والفنان المسلم حرك الخطوط الجافة وأضفى عليها زخارفه حتى غدت لوحات فنية ، فاستخدمت الكتابة في قوالب زخرفية عكست نوعاً من التعبير عن  بعض القيم الجمالية المرتبطة بقيم عقائدية ، وأفرغ الفنان المسلم كل طاقاته في كتابة ألآيات ألقرآنية على الجدران والواجهات والأبواب والمنابر والمنائر ليحملها شكلاً فنياً ذي أسس جمالية رياضية مدروسة.

فالخط العربي يعد وسيلة شكلية موسومة لتأليف منظومة كلامية مقروءة على أساس لغوي أبجدي يضم إليه نسقاً من الوحدات والرموز المستخدمة لأغراض وظيفية وجمالية ، تؤلف من كل ذلك نسقاً كتابيا ذا طبيعة انسيابية مرسلة تتصل بعضها ببعض في كلمة واحدة لتشكل نصاً موحداً ، ومن ثم تخلق إيقاعاً حركياً ديناميكياً  

فالحروف العربية من خلال قدسيتها  المستمدة من القرآن الكريم يمكن إن تصبح رمزاً إسلامياً خالصاً ولكن وفق محل تواجدها في العمل الفني وما يتعلق بها من بنى مجاورة و رموز إسلامية أخرى ، فضلاً عن وظيفتها التزويقية والجمالية الفريدة .

 

جمع وتحرير

سامر قحطان القيسي

الموقع الرسمي للعتبة الحسينية المقدسة

مقالات ذات صلة

التذوق الفني والتنمية الجمالية ضرورات مجتمعية ..
دراسات و بحوث

التذوق الفني والتنمية الجمالية ضرورات مجتمعية ..

التذوق حاجة مهمة لبني البشر فكل منا بحاجة الى استشعار الامور وقياسها والميل نحو ما يتفق مع قيمه الجمالية من الناحية الشكلية والنفسية، وعند التعامل مع موضوعة التذوق وعرض كيفية تنميته يجب ان نسلم بان الذوق لا يلقن ولا يعلم ولكنه يكتسب بالمخالطة الصحيحة السليمة والدربة الطويلة، فالتذوق الفني لا يكون بدراسة مادة ما ولنه يوجد بالصورة العلمية المقننة المألوفة المتراكمة عند الفرد.

الذاكرة والتذكر.. ابداع تربوي
دراسات و بحوث

الذاكرة والتذكر.. ابداع تربوي

لقد فتح التقدم العلمي والتكنولوجي آفاقا جديدة لتحسين حياة المجتمعات، وقد وكانت التربية وما زالت من ابرز الوسائل المستخدمة في هذا المجال بوصفها السبيل لتجاوز التخلف في أي بلد، فالتربية لن تكون كذلك الا اذا حققت تلك البلدان التطور العلمي والتكنولوجي المواكب لروح العصر.

فن الرسم والنفس البشرية..
دراسات و بحوث

فن الرسم والنفس البشرية..

هنالك ارتباط وثيق وقديم بين الإنسان والفن ، ودلائل هذا الارتباط ماثلة في الآثار المكتشفة لرسوم الإنسان الاول في الكهوف بغض النظر عن غاياتها، ولا غبار على ان هذا الارتباط قد تأكد في حياة الحضارات القديمة واستمر حتى يومنا هذا، وخلال هذه الاستمرارية من العطاء الفني كان لابد أن يخدم الفن امور حياتية هامة في حياة الإنسان، ولعل حصيلة هذه الامور هي إن الفن على اختلاف انواعه يحفز الإنسان على الإقبال على الحياة ويساعد في التغلب على أعبائها، لو تتبعنا مسيرة الفنون لوجدنا انها كانت وما زالت تمثل المُعبر الحقيقي عن أفكار الافراد أو الجماعات، فهي بمثابة المرآة العاكسة لنشاطات الفرد والجماعة، وهي اللغة البصرية لبني آدم بمختلف اصقاع الارض، لذا فهي تمثل شاهداً على رحابة الجو الثقافي والفني للشعوب وعلى تجذر أسباب المعرفة الفنية التشكيلية بمعطيات الرؤية وليس بالمهارة فحسب .

تأملات في الخلق وجماله..
دراسات و بحوث

تأملات في الخلق وجماله..

اختص الانسان وحده بوعي جمالي يجعله موضوعاً وذاتاً ، فهو كموضوع جزء من نظام جمالي واحد يتمثل بالكون، وهو قادر على ان يأخذ بواسطة وعيه الجمالي وفكره موقفاً خارج العالم الملموس من خلال تأمل النسق الجمالي في موضوعات الخلق وجمالها.

النفس الانسانية جوهر الفن الجميل..
دراسات و بحوث

النفس الانسانية جوهر الفن الجميل..

إنّ النفس الإنسانية جوهر بسيط خالد هبط من عالم العقل مزوداً بذكريات من حياته في ذلك العالم ، واتصال النفس بالجسم مصدر ألم لا ينقضي لأنه مصدر رغبات كثيرة لا سبيل إلى تحقيقها . فمن شاء نعيماً مقيماً وجب عليه أن يستغرق في تأملاته العقلية في طلب العلم وتقوى الله ، لذا فإن الشعور بالجميل عند قد يكون كامناً في محاولة الاعتدال بين النفس والجسم مثله مثل الحكمة والعفة.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

سجّل الدخول للتعليق بحسابك الموثّق.