التذوق الفني هبة من الله
ذوق الإنسان هو إحساس ذاتي فطري ينمو مع محصلات الظروف الاجتماعية والطبقية فهو نظام مثالي جمالي يمكن اكتشافه من الآراء الجمالية للإنسان ، فذوق الفرد يحتوي على لحظات ذهنية و أنظمة قياسية طبيعية تتصل بالغرائز وليس بالوعي، وهو ما يجعل القياس أو الرأي للشخص يركز على انعكاس أحاسيسه وليس على محصلاته أو اهتماماته النظرية ، فالذوق يتصل اتصالا وثيقا وغير محدد بمحددات أو معطيات اجتماعية تظهر في الإنسان أو الفرد ، والذوق عند الحكم على أفراد نراه ذوقاً ذاتياً مبعثه الخبرات الجمالية الذهنية ، وإن كان حكماً على الأشياء (كالحكم على الأثر الفني) فإنه ذوقاً ذاتياً أيضا لكن مصدره النوعيات الجمالية الحسية ، فالتذوق هو إحساس بجماليات المدرك الشكلي فهو صفة تتعلق بالإنسان وتختلف من شخص لآخر وتتدرج وتتباين تبعا لأختلاف الثقافة والتربية والبيئة المحيطة وظروف العصر، فضلا عن سيكولوجية الإنسان ووسطه الاجتماعي .
يعد التذوق الفني بمفهومه العام اتصالاً وتواصلاً بين أعمال الفنان والمتذوق والمستمتع به الذي يتفاعل معها برؤية تأملية حين تعرضه لعمل فني ما ، فالتذوق حالة استمتاعية يغلب فيها الطابع الوجداني من خلال تفاعل ضمني بين الشيء الجميل والشخص المتعرض له ، فهو عملية حسية وإدراكية ووجدانية صادرة من المشاهد ، فأي فعل يصدر عن الإنسان كمتلق يتكون من وجهتين يتمثلان بالمكون الهادف والمكون التعبيري ، فأما المكون الهادف فهو يشير إلى ذلك الجزء من استجابة المتلقي لمثير معين يؤدي إلى حل مشكلة أو إشباع حاجة ، أما المكون التعبيري فهو ما يتعلق بكيفية تحقيق هذا الفعل أو الكيفية التي تتم بها إجراءات الاستجابة ، لذلك يمكن الجزم بأن أياً منهما يشكل سلوكاً فردياً قائماً بذاته ، ويندرج التذوق الفني تحت المكون التعبيري لسلوك الفرد " المتلقي " فهو يحمل جميع خصائص المكون التعبيري ، فكل فعل يصدر عن المتلقي في أثناء مواجهته للعمل الفني الإبداعي يحمل في ثناياه وجهة تعبيرية تلقائية تتضمن تذوقاً وتفضيلاً ودرجة معينة من الاستمتاع بذلك العمل الفني ، فالتذوق الفني كما تذكر بعض المصادر الفنية الرصينة لا يعني مجرد الرفض أو القبول للموضوعات الفنية بل يشير إضافة لذلك إلى دراية من جانب المتذوق بحالات وجدانية مختلفة يمكن تسميتها بالخبرة الجمالية والتذوق الفني ، ولا يمكن الإقرار بوجود تذوق فني تجاه منجز إبداعي ما إلا بظهور المشاعر الداخلية " تفاعل المشاهد " بغض النظر عن المنجز الإبداعي ، أي بمعنى ادق أن دواخل المتلقي هي أساس مكونات التذوق الفني وما وظيفة الإدراك هنا سوى استثارة لدواخل المتلقي الوجدانية سلبا او ايجابا .
والتذوق الفني كعملية ادراكية وجدانية فكرية له مكونات اساسية ان تعذر وجود احداها فلا تتم تلك العملية بمعناها الصحيح ، فالتذوق لابد له من وجود بطانة معرفية استدلالية واعية قادرة على فهم ومقارنة الاشكال وهذا لايكون الا بوجود المكون العقلي المعرفي لدى المتذوق ، والذي لايكتفي بذاته بمعزل عن المكون الوجداني المعبر عن مدى درجة رضا وميل المشاهد نحو العمل الفني ، وهذان المكونان بدورهما يستندان على المكون الاجتماعي الثقافي الذي يمثل الأرض الخصبة التي تمد الفرد بمعايير وقواعد حياتية لتَقبُل أو رَفض العمل الفني فضلا عن ، المكون الجمالي للعمل الفني وهو منطلق عملية التذوق الفني وفي عدم وجوده يتعذر حصول تلك العملية ،
فالتذوق الفني يشترك فيها طرفان ، الأول منهما المؤثر والذي يتمثل بالأثر الفني ، والثاني هو المتلقي المتأثر بذلك الأثر الفني حسياً وفكرياً ،فالأثر يعتمد في مهمته إثارة نفس المتلقي في استجابة ذاتية تعد أساسا للحكم على الفنون فيصبح هذا الحكم وسيطاً للتفاهم والتواصل بين العمل الفني والمتلقي ، فالتذوق الفني هو قدرة عقلية فطرية خلقنا الله مزودين بها ولا بد لنا من إكسابها ما يطورها من مكتسبات البيئة من خلال حساسية الفرد لما يدور حوله وما يتعرض له من مثيرات حسية .
سامر قحطان القيسي
مقالات ذات صلة

التذوق الفني والتنمية الجمالية ضرورات مجتمعية ..
التذوق حاجة مهمة لبني البشر فكل منا بحاجة الى استشعار الامور وقياسها والميل نحو ما يتفق مع قيمه الجمالية من الناحية الشكلية والنفسية، وعند التعامل مع موضوعة التذوق وعرض كيفية تنميته يجب ان نسلم بان الذوق لا يلقن ولا يعلم ولكنه يكتسب بالمخالطة الصحيحة السليمة والدربة الطويلة، فالتذوق الفني لا يكون بدراسة مادة ما ولنه يوجد بالصورة العلمية المقننة المألوفة المتراكمة عند الفرد.

الذاكرة والتذكر.. ابداع تربوي
لقد فتح التقدم العلمي والتكنولوجي آفاقا جديدة لتحسين حياة المجتمعات، وقد وكانت التربية وما زالت من ابرز الوسائل المستخدمة في هذا المجال بوصفها السبيل لتجاوز التخلف في أي بلد، فالتربية لن تكون كذلك الا اذا حققت تلك البلدان التطور العلمي والتكنولوجي المواكب لروح العصر.

فن الرسم والنفس البشرية..
هنالك ارتباط وثيق وقديم بين الإنسان والفن ، ودلائل هذا الارتباط ماثلة في الآثار المكتشفة لرسوم الإنسان الاول في الكهوف بغض النظر عن غاياتها، ولا غبار على ان هذا الارتباط قد تأكد في حياة الحضارات القديمة واستمر حتى يومنا هذا، وخلال هذه الاستمرارية من العطاء الفني كان لابد أن يخدم الفن امور حياتية هامة في حياة الإنسان، ولعل حصيلة هذه الامور هي إن الفن على اختلاف انواعه يحفز الإنسان على الإقبال على الحياة ويساعد في التغلب على أعبائها، لو تتبعنا مسيرة الفنون لوجدنا انها كانت وما زالت تمثل المُعبر الحقيقي عن أفكار الافراد أو الجماعات، فهي بمثابة المرآة العاكسة لنشاطات الفرد والجماعة، وهي اللغة البصرية لبني آدم بمختلف اصقاع الارض، لذا فهي تمثل شاهداً على رحابة الجو الثقافي والفني للشعوب وعلى تجذر أسباب المعرفة الفنية التشكيلية بمعطيات الرؤية وليس بالمهارة فحسب .

تأملات في الخلق وجماله..
اختص الانسان وحده بوعي جمالي يجعله موضوعاً وذاتاً ، فهو كموضوع جزء من نظام جمالي واحد يتمثل بالكون، وهو قادر على ان يأخذ بواسطة وعيه الجمالي وفكره موقفاً خارج العالم الملموس من خلال تأمل النسق الجمالي في موضوعات الخلق وجمالها.

النفس الانسانية جوهر الفن الجميل..
إنّ النفس الإنسانية جوهر بسيط خالد هبط من عالم العقل مزوداً بذكريات من حياته في ذلك العالم ، واتصال النفس بالجسم مصدر ألم لا ينقضي لأنه مصدر رغبات كثيرة لا سبيل إلى تحقيقها . فمن شاء نعيماً مقيماً وجب عليه أن يستغرق في تأملاته العقلية في طلب العلم وتقوى الله ، لذا فإن الشعور بالجميل عند قد يكون كامناً في محاولة الاعتدال بين النفس والجسم مثله مثل الحكمة والعفة.
