العتبة الحسينية المقدسة
دراسات و بحوث

فنون الطف.. تعبير فني وترسيخ للعقيدة وقيمها السامية

4,140 مشاهدة4 دقيقة قراءة

ما من فعل أو إداء فني إلا ويراد به التعبير عن حدث ما.. والتعبير بشكل عام هو مفردة لصيقة بالفنون بكل مضامينها واشكالها منذ فنون الانسان الاول وحتى الاختزال والتجريد الشكلي اليوم، فالرسام الاول عندما كان يخفي رسوماته في عمق معين على جدران الكهف بعضها فوق بعض وعن قصد ، فهي انما محاولة منه التعبير عن رغبته باستباق نتيجة يبتغيها متخذاً من الفن أداة سحرية من خلال الاعتقاد بأن كل ما يصوره يصيب الشيء نفسه لأنها نسخة عنه ومترابطة معه.

 فساعدته مخيلته إلى تأسيس منظومة فكرية استمرت بالنمو فكانت نقلة كبيره بارتقاء وعيه وافكاره الروحية وبالتالي اصبحت تلك الفنون مؤثرة في المجتمع ككل، ليكون الفن جزءاً من إبداعات الانسان لبلوغ فهم اعمق للواقع الذي يعيشه، لم ينظر اليه على انه حاله مستقرة بل هو ضرب من المواجهه تحتاج الى نوع من التحايل واقناع النفس بالصيغ والممارسات الروحية والعقائدية وزخم كبير من الطقوس والشعائر الدينية المتوارثة، موجداً من خلال الفن عالماً يتوق اليه او ايجاد نقطة التقاء لما هو مادي محسوس وما هو غيبي روحي فأصبحت مهمة الفن هي محاول بلوغ فكرة الاشياء ومفهومها الجوهري الباطن.

 ولما كان بلوغ الفكره والمفهوم الجوهري لا يعتمدان على ما هو مرئي وما متفق عليه في العقل الجمعي، إذاً لا بُدّ ان يكون لعقل المنتج الصورة النهائية لتشكيل العمل الفني - كما هو الحال في رسوم مدرسة عاشوراء -، مما اسس للاعتقاد ان العمل الفني يقوم على التقاء ثلاثة مسوغات عالم الواقع المرئي الذي منه ينطلق ومنه يستعير مواده مهما يمكن التبدل الذي يفسرها عليه، وعالم الصيغة أي الضرورات التي تفرضها المادة التي يصنع منها العمل والطريقة التي يصنع بها، والعالم الروحي العقائدي المتمثل بالخواطر والمشاعر التي تدفع وتطبع الفنان الى تجسيدها .

 من هنا نجد ان الابداع الفني انما اعتمد على تجاوز الفنان للصورة البصرية بالاعتماد على مخيلته بتصور الموروث والمرويات الواردة اليه عبر الاجيال السابقة، مما دفعه لإيجاد تصور جديد للأحداث السابقة لعصره من خلال اندماج المنجز البصري مع الصورة الذهنية المتكونة لديه، وهنا تكمن اهم المميزات المؤسسة للتعبيرية الشكلية، فالفنان لا يظهر ما يدركه بصرياً وانما يقوم بخلق واقع جديد هو يعتقده.. عمد على تشفيره روحياً فكانت ارادته بالتعبير المتضايف لعلاقته بالعالم المحيط به، فالتعبير يجنح نحو الواقعية ويميل نحو تمثيل الناحية الاجتماعية.

ومن هذا المنطلق تنوعت النشاطات الانسانية التعبيرية ضمن نطاق التمثلات الشعبية وبالخصوص تمثلات فاجعة الطف و احياء ذكرى استشهاد الامام الحسين بن علي عليهما السلام، فمنها ما تمثل بالمواقف الشعرية، ومنها ما كان على شكل ادوار مسرحية تتمثل بالتشابيه، واخرى على شكل فنون تشكيلية متفاوتة بين رسوم شعبية واخرى اكاديمية حداثوية.

ويكون ذلك عبر مشاركة وجدانية تنتقل الذات _ ذات الفنان والمتلقي _ من خلالها لتتمثل في شخوصها الحرية والنبل والعظمة والخلاص من الظلم والجور، ويكمن جمال هذه التمثلات الفنية بصدقها وعفوية طرحها، ويعزى ذلك الى ان استذكار واقعة الطف والشعائر المرافقة لها.. هي الممارسة الوحيدة التي يجتمع فيها كل الناس بمختلف تنوعاتهم، وبتجرد كامل عن كل ما يلتصق بهم من ممارسات يومية قريبة أو بعيدة عن الدين، وأحياناً كثيرة تذوب كل المستويات الثقافية والعلمية لتشارك عامة الناس في أحياء ذكرى عاشوراء، وهذا ما نراه ممتدا وعلى مر العصور التي خلت وحتى اليوم في احياء ذكرى عاشوراء، اذ أن كل ما يحمله الموروث الشعبي من عادات وتقاليد تخص عاشوراء لا يمكن تغيرها أو استبدالها، حتى وأن تبدلت الأجيال وتغيرت طبائعها ومستويات تقدمها العلمي أو الثقافي، فهذا الموروث ينتقل عبر الأجيال محفوظاً في الشعور واللاشعور، وكل محاولات التطوير التي قد تطرأ عليها تبقى ضمن النكهة الشعبية الخالصة، فلا شك ان أسس قيامها هو ترسيخ للعقيدة وقيمها السامية، وهي بالتالي تؤدي وظائف تعليمية ونفعية تعمل على تثبيت العادات والتقاليد والقيم الأخلاقية التي تتمسك بها الجماعة.

 وان دققنا عن كثب في ما ذكر انفاً من الناحية العلمية والاجتماعية، سنجد أن اغلب الموروثات الشعبية هي فنون محافظة تعبر عن طرائق عمل وتفكير وسلوك تقليدي.. من شأنه أن يحافظ على احياء ما تركه الأجداد، ولها أدوات ورموز وأغراض فكرية وعملية نفعية وفنون محافظة، اي بمعنى أنها فنون تراثية تحاكي ما قام به الآباء والأجداد وتحافظ عليه من التلف والضياع وتنقله نقلا مباشرا لا تبدل فيه او تغير أو تطوير واضح .. وان كان هناك تغييرا فيكون تغييرا بطيئا طفيفا وغير ملحوظ بما يتوافق ومتطلبات العصر وحداثويته.


مقالات ذات صلة

التذوق الفني والتنمية الجمالية ضرورات مجتمعية ..
دراسات و بحوث

التذوق الفني والتنمية الجمالية ضرورات مجتمعية ..

التذوق حاجة مهمة لبني البشر فكل منا بحاجة الى استشعار الامور وقياسها والميل نحو ما يتفق مع قيمه الجمالية من الناحية الشكلية والنفسية، وعند التعامل مع موضوعة التذوق وعرض كيفية تنميته يجب ان نسلم بان الذوق لا يلقن ولا يعلم ولكنه يكتسب بالمخالطة الصحيحة السليمة والدربة الطويلة، فالتذوق الفني لا يكون بدراسة مادة ما ولنه يوجد بالصورة العلمية المقننة المألوفة المتراكمة عند الفرد.

الذاكرة والتذكر.. ابداع تربوي
دراسات و بحوث

الذاكرة والتذكر.. ابداع تربوي

لقد فتح التقدم العلمي والتكنولوجي آفاقا جديدة لتحسين حياة المجتمعات، وقد وكانت التربية وما زالت من ابرز الوسائل المستخدمة في هذا المجال بوصفها السبيل لتجاوز التخلف في أي بلد، فالتربية لن تكون كذلك الا اذا حققت تلك البلدان التطور العلمي والتكنولوجي المواكب لروح العصر.

فن الرسم والنفس البشرية..
دراسات و بحوث

فن الرسم والنفس البشرية..

هنالك ارتباط وثيق وقديم بين الإنسان والفن ، ودلائل هذا الارتباط ماثلة في الآثار المكتشفة لرسوم الإنسان الاول في الكهوف بغض النظر عن غاياتها، ولا غبار على ان هذا الارتباط قد تأكد في حياة الحضارات القديمة واستمر حتى يومنا هذا، وخلال هذه الاستمرارية من العطاء الفني كان لابد أن يخدم الفن امور حياتية هامة في حياة الإنسان، ولعل حصيلة هذه الامور هي إن الفن على اختلاف انواعه يحفز الإنسان على الإقبال على الحياة ويساعد في التغلب على أعبائها، لو تتبعنا مسيرة الفنون لوجدنا انها كانت وما زالت تمثل المُعبر الحقيقي عن أفكار الافراد أو الجماعات، فهي بمثابة المرآة العاكسة لنشاطات الفرد والجماعة، وهي اللغة البصرية لبني آدم بمختلف اصقاع الارض، لذا فهي تمثل شاهداً على رحابة الجو الثقافي والفني للشعوب وعلى تجذر أسباب المعرفة الفنية التشكيلية بمعطيات الرؤية وليس بالمهارة فحسب .

تأملات في الخلق وجماله..
دراسات و بحوث

تأملات في الخلق وجماله..

اختص الانسان وحده بوعي جمالي يجعله موضوعاً وذاتاً ، فهو كموضوع جزء من نظام جمالي واحد يتمثل بالكون، وهو قادر على ان يأخذ بواسطة وعيه الجمالي وفكره موقفاً خارج العالم الملموس من خلال تأمل النسق الجمالي في موضوعات الخلق وجمالها.

النفس الانسانية جوهر الفن الجميل..
دراسات و بحوث

النفس الانسانية جوهر الفن الجميل..

إنّ النفس الإنسانية جوهر بسيط خالد هبط من عالم العقل مزوداً بذكريات من حياته في ذلك العالم ، واتصال النفس بالجسم مصدر ألم لا ينقضي لأنه مصدر رغبات كثيرة لا سبيل إلى تحقيقها . فمن شاء نعيماً مقيماً وجب عليه أن يستغرق في تأملاته العقلية في طلب العلم وتقوى الله ، لذا فإن الشعور بالجميل عند قد يكون كامناً في محاولة الاعتدال بين النفس والجسم مثله مثل الحكمة والعفة.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

سجّل الدخول للتعليق بحسابك الموثّق.