العتبة الحسينية المقدسة
لوحات

حضارة السلام..

3,198 مشاهدة3 دقيقة قراءة

فضاءات مغرية للعين.. تنطق بمفردات لونية تفصح عن أسرار أصولها وقوتها من خلال حالة الحوار المستفيض بينها.. فهي قادرة على أن تقبض على أذهان كل من يتأملها وتستوقف الاعين لفترات للولوج اليها وتأمل تفاصيلها وتفهم أعماقها الناطقة بمنهج الفنان ومرجعياته الفكرية والحضارية.

اللوحة اعلاه تحمل توقيع الفنان التشكيلي والباحث العراقي عزام البزاز، وهي تحمل في طياتها خلاصة رائعة لمسيرته الفنية التي امتدت على مدى ما يقارب النصف قرن من البحث في الخطوط والأشكال الهندسية والتقنيات المختلفة وقيم الألوان الرائعة.

اقام الفنان والباحث عزام البزاز منذ بداياته الفنية عشرات المعارض الفنية الفردية والجماعية وعلى المستويات المحلية والعربية والعالمية.. وقد تميزت اغلب اعماله الفنية بالاعتماد المفرط على تصوير المرأة والسلام والجمال واعتبار هذه العناصر الثلاثة هي المثلث المثالي الذي يقوم عليه معمار ابداعاته الفنية بشكل خاص، اضافة الى اسلوبه المميز باستعارة الرمزيات الحضارية والتراثية وتركيزه على شكل الحمامة البيضاء واغناء العمل الفني بالأبواب والجدران والمنقوشة والمستعارة من النفائس البابلية.  

تصف اللوحة اعلاه كتلتين لونيتين متناظرتين في المكان، تشغلان مساحة اللوحة طولياً، ليؤسسن موضوعاً تعبيرياً من خلال الوانهما المختلفة واشكالهما القريبة من شكل المسلات البابلية القديمة وتعلوهما اشكالاً حيوانية للحمائم البيضاء الدالة على السلام .. وكأن الفنان يعلن من خلالها عن مفتاح الخير والحياة والعطاء، لتتوالد هذه العناصر من بعضها البعض وتتعانق داخل هذه التشكيلات اللونية الرائعة لتخبر المتلقي بما تنطق به اللوحة وبشكل صريح .

عالج الفنان في هذا العمل الفني الشكل بواسطة الفضاء و الكتل اللونية من خلال الاعتماد عليها في دفع آلية الابتعاد عن المنظور عن المعالجات الأكاديمية اضافة الى تجاهله لأسس التشريح في صياغة الاشكال المتمثلة بالطيور البيضاء ، حيث انه وضع حدود الاشكال بخطوط حادة وقوية مستخدماً تقنية تقترب من تقنية الفنان (جاكسون بولوك) في وضع الألوان على سطح اللوحة ليؤسس من خلاله الدوافع التعبيرية التي تحرك اشتغالاته وفقاً لمدركات حسية، فالخط واللون هما العلامتان البنائيتان اللتان تشكلان بنية الشكل العام المميز بخليط من الالوان  الحارة والباردة والخلفية التي  تحيلنا إلى وجود السماء بلونها وتدفع بالتالي بالأشكال المموه بالألوان  إلى حالة الكل المؤلف من عدة أجزاء لتنشيط التعبير باعتباره سمة تقرب الاشتغالات الفطرية باعتمادها على الخيال.. فالتعبير كما هو متعارف عليه تدركه العين على نحو ما وبشكل متفاوت بين متلق وآخر.

وتأسيساً على ذلك يكون العمل الفني لدى البزاز تنظيماً لعناصر داخلية تدفع به إلى استخدامات ظاهرة ما على نحوٍ يؤكد حضور التقنية باعتبارها مشغلاً أساسياً وعنصراً مهماً لعملية البناء، إذ تبدو المساحة التي تشغل الكتل اللونية وسط اللوحة ذات مثيرات مصطنعة أبعدت القارئ عن واقع الحضور الحقيقي للأشكال فالمتعرض لها لا يميز منها  سوى بعض التكوينات اللونية الرمزية الدالة على بعض الالوان والاشكال التراثية التي تشغل مخيلة الفنان او القارئ .. وبذلك تأكدت لنا الطبيعة الانفعالية التي أسس لها وجود الخط بهذه الصيغة المركبة مع التقنية حيث أهمل الفنان هنا الطبيعة المعرفية للأشكال بعينها  وعمد الى التشديد من ضرورة تفاعل الاستجابات الفردية والجمعية وبقاء العمل الفني متمتعاً بنمط من الإدراك والمفاهيم، وفقاً لتنشيط المخططات التلقائية وحضورها في التكوين العام للعمل الفني .

وبذلك تتأكد الدوافع المعرفية للمضمون في هذا العمل من خلال اشتمال النشاط المعرفي على وسائل عديدة تلبي الخصائص الانفعالية وتشتمل على الربط بين الإحساس والانفعال من أجل دفع الاشكال هنا نحو واقعيتها من خلال عملية الاستدلال الفطري التي يمثل الأسلوب فيها مفهوماً جوهرياً لرسومات  الفنان من خلال الأفكار ووسائل التعبير المختلفة.. حيث تكون الفطرية في النهاية هي صورة تحتوي على نماذج عديدة تؤكد الضرورة التي تدفع بالفن إلى اختزال الأسس الواقعية بالتحرر من سلطة العقل، وبالمحصلة  ينشأ التحرر من التوترات الموجودة في عقولنا وافكارنا.

سامر قحطان القيسي

الموقع الرسمي للعتبة الحسينية المقدسة

 

 

 

مقالات ذات صلة

الحداثة والموروث .. تجليات من الروح الانسانية
لوحات

الحداثة والموروث .. تجليات من الروح الانسانية

الحداثة هي نزعة إنسانية تطورية تحمل طابعاً يتنازعه الاختلاف والتعقيد خلال حركتها المتواصلة عبر التاريخ وهذا ما يجعل منها مصطلحاً لا يخلو من قوام الهلامية والتداخل، ولا شك أن أفق الحداثة هو افق ممتد ومتواصل سواء كان ذلك نتيجة قطيعة مع الماضي أو لا ، فالحياة بطبيعتها تشهد متغيرات مستمرة حتى وإن اتخذت نسقاً مناقضاً، فأنها تحمل بواعث تفجّرها في الداخل ، وهذا ما حدث لكل المناهج الفكرية منها الفن.

صرخة ألم ..
لوحات

صرخة ألم ..

اللوحة تجسد عملاً فنياً عقائدياً جَسدَ فاجعة استشهاد الامام موسى بن جعفر سلام الله عليه، حينما ألقى جلاوزة الطاغية بجنازة الأمام على جسر بغداد في الوقت الذي كان شيعته ينتظرون خروجه حياً كما وُعدوا، وكما يتبين للمشاهد ان المنجز الفني يحمل بصمة الفنان الايراني حسن روح الامين المتميز بأسلوبه الواقعي في طرح موضوعاته الفنية التي يستشعر المشاهد من خلالها مدى حبه وشغفه بأهل بيت النبوة الأطهار سلام الله عليهم اجمعين، وتتبع وقائع مظلوميتهم وتوثيقها بعناية تامة لتتناقل عبر الاجيال، معتمدا بذلك على الروايات المتواترة والخيال بعيدا عن الغلو والتطرف في طروحاته الفنية المميزة .

استحضارات الهامية
لوحات

استحضارات الهامية

في فن الخط تكتسب الحروف المكتوبة مكانة رمزية، لكن حين تفقد تحديداتها الخارجية يصبح القارئ مضطراً إلى اللجوء إلى خياله ليتمكن من فك الرموز لبلوغ المعنى الكامن في الكلمة )... هذا ما اكده مبدع اللوحة اعلاه في وصف اسلوبه الفني المبتكر، انه التشكيلي التونسي ( نجا مهداوي ) ، وهو خطاط وفنان تشكيلي ولد عام 1937م وامتهن الفن الذي اولع فيه منذ الصغر حتى تخرج من أكاديمية الفنون بروما ومن ثم مدرسة متحف اللوفر.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

سجّل الدخول للتعليق بحسابك الموثّق.