العتبة الحسينية المقدسة
لوحات

شاهد على العصر..

4,004 مشاهدة3 دقيقة قراءة

سعى رسام اللوحة اعلاه في البحث عن طريق التجريب الفني عن اشكال طرازية ابداعية، معتمدا على البيئة المحلية التي نشأ بين ثناياها من جهة وقوة الايحاء الحضاري المعاصر من جهة اخرى، مستلهماً في عمله هذا جماليات الموروث من خلال توظيفه للحرف العربي والاشكال الفنية في البسط الشعبية العربية بصيغة زخرفية تزيينية متحققة بتبسيط واختزال للمساحات اللونية التي تظهر لنا بطلاء مصمت مسطح، تلك هي احدى اعمال وتجارب التشكيلي العراقي ضياء العزاوي .

أظهر العزاوي في هذا التكوين الفني تآلفاً ينم عن خبرة واسعة بآلية المسطحات لخلق صورة شرقية عن طريق انبساط الصورة وبساطة الشكل وسعة الفضاء وتنوع عناصره والذي كان له دور كبير في ابراز الشكل الفني ومنحه حضوراً استثنائياً، كما أن الفضاء بهذا المد والرحابة كان له شأناً جمالياً لا يقل عن المفردات التصميمية للعمل نفسه فكانت علاقة الفضاء مع الشكل علاقة جمالية صرفة.

يتخلى العزاوي في هذا العمل عن كل المضامين الدراماتيكية الاسطورية مركزاً اهتمامه على القضية الجمالية البحتة، على أساس انها الفضيلة الكبرى للعمل الفني هاهنا، ولا ينفصل العمل بدوره عن الاداء العقلاني (الميكانيكي)في طرحه الجمالي، إذ انه يولي العمل الفني دراسات تخطيطية أولية للتكوين والفكرة، أي انه يصمم التكوين بناء على معطيات الفكرة مستفيداً من التراث الفني في خلق صياغات جديدة، تخضع لأداء تصميمي النهج في الاسس والعناصر.

يتوصل العزاوي الى الشكل التجريدي عن طريق الاختزال والتشذيب في الاشكال الفنية التراثية التي لا تزال شاخصة حضارياً دون أن ينساق الى الشكل التجريدي المطلق، أذان المفردات التصميمية التي يستند اليها العمل الفني على الرغم من تجريديتها العالية الا ان لها مرجعياتها الشرقية فالحرف العربي واشكال البسط والوانها تتجمع بنسق عال من الرهافة وجمال البناء في تصميم تجريدي ذي ملامح شرقية واضحة، وهو بذلك قد أضاف طروحات شكلية جديدة لطروحات من سبقه، من خلال وعيه لمغزى الماضي والحاضر أما بالنسبة لآلية اشتغال العناصر على السطح التصويري فإن الخط كان يتشكل من خلال التقاء لونين مع بعضهما دون أن يتداخلا عن طريق التلاشي أو أن يكون محيطاً للشكل الذي تنفرد وحداته التصميمية باستقلالية منعزلة عن ما يجاورها الا انه ولكي يلين ويخفف من حدة الاشكال ترك بعضاً من الخطوط العفوية تنساب بحرية في منتصف اللون الابيض الذي يمثل مركز اللوحة وسيادتها لتضاده وتباينه مع اللون الاسود، مع اضافة بعض الخطوط العشوائية مختلفة السمك وبعض ضربات الفرشاة، لإعطاء العمل روحاً ارتجالية تزيد من عاطفته وتتمازج مع حدة الاناقة لتؤلف تناغماً جمالياً متنوع الايقاع .

أما على صعيد اللون فقد برع العزاوي في الجمع بين الغامق والفاتح والحار والبارد في كل متسق متوازن التوزيع ايقاعي التنظيم، وكانت البنية التشكيلية للعمل الفني تضم اكثر من فضاء، فمنها ما هو أزرق مخضر اللون حاول الفنان ان يحيط به التكوين الرئيسي للوحة افقية الشكل واخر اسود اللون يضم مجموعة من المفردات التشكيلية الحروفية والمسطحة المكونة لصلب الموضوع والذي يقع بدوره في مساحتين، الاولى في مركز اللوحة وبحجم كبير يمتد الى جانبي اللوحة ، والثانية في اسفل اللوحة بحجم أصغر، ولكلا الفضائين أهمية جمالية وشكلية للآخر تتضح من خلال التضاد والتباين والاختزال والتسطيح في المد الفضائي الذي منح المفردة الشكلية شداً بصرياً ولونياً كونها تحلق في فضاءات اللوحة دون ازدحام مع المفردات الاخرى، وبالرغم من أن العمل يفتقر الى التنغيم الملمسي على السطح الا أن العزاوي حاول أشعارنا بذلك عن طريق التشطيب وبعض الخطوط العشوائية التي توحي بخشونة جمالية منحت السطح التصويري ايقاعه الملمسي، اذ تباينت الاتجاهات في مساراتها داخل حدود اللوحة لتحيلنا بالنهاية الى بؤرة مركزية فيها.

ومن ذلك نلحظ ان العزاوي شكل بأعماله الفنية المختلفة ظاهرة تصميمية مميزة في معالم الرسم العراقي الحديث.. تنحى منحاً تزينياً زخرفياً برؤية عربية معاصرة لا تنفصل عن ابداع الفنان الشخصي وعفويته، وتبقى في نفس الوقت سمات العمل التصيمية واضحة، من خلال التسطيح والاختزال في المد الفضائي والحافة الصلبة وآلية انعزال الاشكال المرسومة والنهج الميكانيكي في بناء اللوحة ذي الرؤية التزينية.


مقالات ذات صلة

الحداثة والموروث .. تجليات من الروح الانسانية
لوحات

الحداثة والموروث .. تجليات من الروح الانسانية

الحداثة هي نزعة إنسانية تطورية تحمل طابعاً يتنازعه الاختلاف والتعقيد خلال حركتها المتواصلة عبر التاريخ وهذا ما يجعل منها مصطلحاً لا يخلو من قوام الهلامية والتداخل، ولا شك أن أفق الحداثة هو افق ممتد ومتواصل سواء كان ذلك نتيجة قطيعة مع الماضي أو لا ، فالحياة بطبيعتها تشهد متغيرات مستمرة حتى وإن اتخذت نسقاً مناقضاً، فأنها تحمل بواعث تفجّرها في الداخل ، وهذا ما حدث لكل المناهج الفكرية منها الفن.

صرخة ألم ..
لوحات

صرخة ألم ..

اللوحة تجسد عملاً فنياً عقائدياً جَسدَ فاجعة استشهاد الامام موسى بن جعفر سلام الله عليه، حينما ألقى جلاوزة الطاغية بجنازة الأمام على جسر بغداد في الوقت الذي كان شيعته ينتظرون خروجه حياً كما وُعدوا، وكما يتبين للمشاهد ان المنجز الفني يحمل بصمة الفنان الايراني حسن روح الامين المتميز بأسلوبه الواقعي في طرح موضوعاته الفنية التي يستشعر المشاهد من خلالها مدى حبه وشغفه بأهل بيت النبوة الأطهار سلام الله عليهم اجمعين، وتتبع وقائع مظلوميتهم وتوثيقها بعناية تامة لتتناقل عبر الاجيال، معتمدا بذلك على الروايات المتواترة والخيال بعيدا عن الغلو والتطرف في طروحاته الفنية المميزة .

استحضارات الهامية
لوحات

استحضارات الهامية

في فن الخط تكتسب الحروف المكتوبة مكانة رمزية، لكن حين تفقد تحديداتها الخارجية يصبح القارئ مضطراً إلى اللجوء إلى خياله ليتمكن من فك الرموز لبلوغ المعنى الكامن في الكلمة )... هذا ما اكده مبدع اللوحة اعلاه في وصف اسلوبه الفني المبتكر، انه التشكيلي التونسي ( نجا مهداوي ) ، وهو خطاط وفنان تشكيلي ولد عام 1937م وامتهن الفن الذي اولع فيه منذ الصغر حتى تخرج من أكاديمية الفنون بروما ومن ثم مدرسة متحف اللوفر.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

سجّل الدخول للتعليق بحسابك الموثّق.